شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٩٤ - كلامه الجارى مجرى الخطبة السادسة و الثلاثين ذكر فيه حاله منذ توفّى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم إلى آخر وقته
و الأحكام المشكلة و المقاول الّتي حصرت فيها بلغاؤهم،فكنّى بنطقه و تعتعتهم عن فضاحتهم و عيّهم.
استعارة بالكناية و قوله تطلّعت حين تقبّعوا.
إشارة إلى كبر الهمّة في تحصيل ما ينبغي للإنسان أن يحصّله من تعرّف الامور و اختبارها و النظر في مصادرها و مواردها،و هي ملكة تحت الشجاعة،و لمّا كان التطّلع على الأمر يحتاج الإنسان فيه إلى نحو من التطاول و مدّ العنق و تحديق العين و نحوه،و كان تعرّف الامور و اختبارها لابدّ فيه من بعث رائد الفكر الّذي هو عين النفس الّتي بها يبصر و تحديقه نحو الامور المعقولة و إرسال المتخيّلة لتفتيش خزائن المحسوسات أشبه ذلك التطلّع فاستعار له لفظ التطلّع و كنّى به عنه،و قوله:
حين تقبّعوا .أي كان تعرّفي للأمور حين قصورهم عن ذلك،و لمّا كان التقبّع يقابل مدّ العين و التطاول إلى رؤية الأشياء المسمّى تطلّعا،و كان قصور أفكارهم و عدم اعتبارهم للأشياء يقابل مدّ الفكر و تطاول الذهن إلى معرفة الامور و كان قصور الفكر أيضا و العجز عن المعرفة يشبه التقبّع استعار لفظ التقبّع و كنّى به عنه.
و قوله : و مضيت بنور اللّه حين وقفوا.
إشارة إلى فضيلة العلم أى كان سلوكى لسبيل الحقّ على وفق العلم و هو نور اللّه الّذي لا يضلّ من اهتدى به.و ذلك حين وقفوا حائرين متردّدين جاهلين بالقصد و كيفيّة سلوك الطريق.و إنّما أثبت لنفسه هذه الفضائل و قرن كلّ فضيلة له برذيلة فيهم يقابلها لتبيّن فضله بالنسبة إليهم إذ كان الغرض ذلك.
كناية و قوله : و كنت أخفضهم صوتا و أعلاهم صوتا.
كنّى بخفض الصوت عن ربط الجأش في الامور و الثبات فيها و التصميم على فعل ما ينبغي من غير التفات إلى الحوادث[الجواذب خ]و الموانع على فعل ما هو خير و مصلحة فإنّ كثرة الأصوات و علوّها في الأفعال الّتي هي مظنّة الخوف دليل الفشل، و لا شكّ أنّ من كان أشدّ في ذلك كان أعلى صوتا و أشدّ سبقا إلى مراتب الكمال و درجات السعادة ممّن كان أضعف فيه .