شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٦ - بيان الفرق بين الجهاد و سائر العبادات
تواكلهم و تخاذلهم عن العمل بمقتضى أمره إلى غاية ظهور العدوّ عليهم و تفريق الغارات من كلّ جانب على أوطانهم و حدودهم.ثمّ عقّب ذكر العدوّ المطلق بذكره في شخص معيّن مشاهد،و نبّههم عليه ليكونوا إلى التصديق بظهور العدوّ عليهم أقبل،و قصّ عليهم ما أحدث من ورود خيله ديارهم و قتله لعاملهم و إزالة خيلهم عن ثغورهم و مسالحهم و هتك المسلمات و المعاهدات و سلب أموال المسلمين و سائر ما عدّده على الوجه المذكور ممّا هو مستغن عن الايضاح .ثمّ ختم ذلك القصص بما الأولى أن يلحق المسلم الحقّ ذا الغيرة و الحميّة للّه من الأسف و الحزن المميت له بسبب ما يشاهد من الأحوال المنكرة الواقعة بالمسلمين مع تقصيرهم عن مقاومة عدوّهم.كلّ ذلك التقرير ليمهّد قانونا يحسن معه توبيخهيم و ذمّهم على التقصير فيما ينبغي لهم من امتثال أمره و قبول شوره فيما هو الأولى و الأصحّ لهم.ثم أردف ذلك بالتعجّب من حالهم تأكيدا لذلك التمهيد.فنادى:العجب من حالهم منكّرا ليحضر له كأنّه غير متعيّن في حال ندائه،ثمّ تعيّن بندائه و حضر فكررّه ليصفه بالشدّة.و نصبه على المصدر كأنّه لمّا حضر و تعيّن قال عجبت عجبا من شأنه كذا.و نحو هذا المنادى قوله تعالى: «يٰا بُشْرىٰ» في قراءة من قرء بغير إضافة،و يحتمل أن يكون العجب الأوّل نصبا على المصدر أيضا و الثاني للتأكيد أو لما ذكرناه،و يكون المنادى محذوفا تقديره يا قوم أو نحوه ، مجاز و أمّا وصفه له بأنّه يميت القلب و يجلب الهمّ :فاعلم أنّ السبب في التعجّب من الامور عدم اطّلاع النفس على أسبابه لغموضها مع كونه في نفسه أمرا غريبا.
و لذلك وضع أهل اللغة قولهم ما أفعله صيغة للتعجّب كقولك ما أحسن زيدا،و علمت أن التقدير فيها السؤال عن أسباب حسنه.و كلّما كان الأمر أغرب و أسبابه أخفى كان أعجب.فإذا كان أمرا خطرا مهمّا و انبعثت النفس في طلب سببه فقد تعجز من تحصيله و تكلّ القوّة المتخيلّة عن تعيينه فيحدث بسبب عدم الاطّلاع على سببه همّ و غمّ لأنّه كالمرض الّذي لا يمكن علاجه إلاّ بالوقوف على سببه فيسمّى ذلك الهمّ موتا للقلب تجوّزا بلفظ الموت في الهمّ و الغمّ تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه،و إطلاقا لاسم المسبّب على السبب.
إذا عرفت ذلك فنقول:إنّ حال قومه عليه السّلام في تفرّقهم عن حقّهم مع علمهم بحقيّته،