شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٤٥ - كلامه الجارى مجرى الخطبة الرابعة و الخمسين لمّا استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفّين
٥٤-و من كلام له عليه السّلام
و قد استبطأ أصحابه إذنه لهم فى القتال بصفين
أَمَّا قَوْلُكُمْ أَ كُلَّ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ- فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي- دَخَلْتُ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَيَّ- وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ شَكّاً فِي أَهْلِ؟الشَّامِ؟- فَوَاللَّهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً- إِلاَّ وَ أَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي- وَ تَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي- وَ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلاَلِهَا- وَ إِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا
[اللغة]
أقول: عشا إلى النار : استدلّ عليها ببصر ضعيف .و باء بإثمه : أى رجع به .
[المعنى ]
و هذا الفصل مناسب للّذي قبله.و السبب فيه أنّ أصحابه لمّا طال منعه لهم عن قتال أهل الشام ألحّوا عليه في طلبه حتّى نسبه بعضهم إلى العجز و كراهيّة الموت، و نسبه بعضهم إلى الشكّ في وجوب قتال هؤلاء .فأورد عليه السّلام شبهة الأوّلين و هى قوله:
أ كلّ ذلك كراهيّة الموت ،و روى كراهيّة بالنصب على المفعول و سدّ مسدّ الخبر.
و أجاب عنها بقوله : فو اللّه ما ابالى.إلى قوله:إلىّ ،و صدق هذا الدعوى المؤكّدة بالقسم البارّ ظاهر منه فإنّ العارف بمعزل عن تقيّة الموت خصوصا نفسه القدسيّة كما سبق، مجاز و نسبة الدخول على الموت و الخروج إليه نسبة مجازيّة تستلزم ملاحظة تشبيهه بحيوان مخوف .ثمّ أورد الشبهة الثانية و هى قوله: و أمّا قولكم شكّا في أهل الشام و أجاب عنها بقوله: فو اللّه ما دفعت الحرب :إلي آخره،و تقريره أنّ المطلوب الأوّل من الأنبياء و الأولياء إنّما هو اهتداء الخلق بهم من ظلمة الجهل،و استقامة امورهم في معاشهم و معادهم بوجودهم،و إذا كان هذا هو المطلوب الذّاتى له عليه السّلام من طلب هذا الأمر و القتال عليه و كان تحصيل المطالب كلّما كان ألطف و أسهل من القتل و القتال كان أولى لا جرم كان انتظاره بالحرب و مدافعتها يوما فيوما إنّما هو انتظار و طمع أن يلحق به منهم من تجذب العناية الإلهيّة بذهنه إلى الحقّ فيهتدى به في طريق اللّه و يعشو