شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٠٥ - كلامه الجارى مجرى الخطبة الرابعة و التسعين في أصحابه و أصحاب رسول اللّه
اللّه تعالى في مظنّة أن يرمى الظالم بعقوباته عند اطّلاعه على ظلمه كما قال تعالى «أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمٰا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلىٰ تَخَوُّفٍ » ١ثمّ أردف ذلك بالقسم البارّ ليظهرنّ أصحاب معاوية عليهم تنفيرا لهم إلى مقاومتهم،ثمّ نفى ما عساه يتوهّمه أنّه علّة غلبهم لهم كيلا يتخاذلون بسبب ذلك و هو قوله : ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم ،و أردفه بتعيين السبب الحقّ في ذلك و هو قوله : لكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم :أى أمره الباطل و إبطائكم عن حقّى إذ كانت النصرة باجتماع الكلمة و طاعة الإمام لا باعتقاد حقيّة إمرته مع التخاذل عنه،ثمّ أردف ذلك بتوبيخهم و تنفيرهم عمّا هم عليه من مخالفة أمره بقوله : و لقد أصبحت الامم.إلى قوله:رعيّتى .لأن شأن الرعيّة الخوف من سلطانها فإذا كان حاله مع رعيّته بالعكس كانت اللائمة عليهم بعصيانه دون حجّة لهم عليه،و أمّا التنفير فيذكر أنّهم في محلّ ظلم نفسه و لقد أشفق عليه السّلام منهم في مواطن كثيرة كيوم التحكيم إذ قالوا له:إن لم ترض فعلنا بك كما فعلنا بعثمان.
و نحو ذلك ،ثمّ أردف وجوه تقصيرهم ببيان ما فعل في حقّهم من الأيادى الجميلة و الهداية إلى وجوه المصالح من استنفارهم لجهاد عدوّهم و حفظ بلادهم و إسماعهم الدعوة إلى مصالحهم سرّا و جهرا و نصيحته لهم بالوجوه الصائبة من الرأى و هو كقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السّلام «قٰالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهٰاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعٰائِي إِلاّٰ فِرٰاراً وَ إِنِّي كُلَّمٰا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا» إلى قوله «إِسْرٰاراً» ٢تشبيه ثمّ شبّههم بالغياب مع شهادتهم و بالأرباب مع كونهم عبيدا ،و وجه الشبه أنّ الفايدة في شاهد الموعظة دون الغايب عنها هى سماعها و الانتفاع بها فإذا ليسوا كذلك فهم كالغياب عنها في عدم الانتفاع بها،و أمّا الثانية فلأنّهم رعيّة من شأنهم التعبّد لأوامر امرائهم ثم إنّهم لتعزّزهم و شموخهم كبرا و عدم طاعتهم كالأرباب الّذين من شأنهم أن يأمروا و لا يأتمروا ثمّ وبّخهم بنفارهم عمّا يتلو عليهم من الحكم و تفرّقهم عن مواعظه البالغة.و أهل البغى إشارة إلى أهل الشام.و أيادى سبا :مثل يضرب في شدّة التفرّق و ضربه لتفرّقهم عن مجالس الذكر و هما لفظان جعلا اسما واحدا كمعدى كرب،و سبا قبيلة من أولاد سبا ابن
١) ١٦-٤٨.
٢) ٧١-٥.