العقائد الإسلامية للمتوسطين من المحصلين للعلوم الدينية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٥٣ - الفصل الثانى فى حكمته تعالى
الفصل الثانى: فى حكمته تعالى
الحكمة ربّما تفسّر بالعلم بالأشياء على ما هى عليه، و حيث إنّا قد أسلفنا القول فى علمه تعالى فلا نبحث عنها بهذا المعنى. و ربّما تفسر بإصدار الأشياء و ابداعها على أكمل ما ينبغى أن يصدر، و هذا المعنى هو المقصود فى هذا المبحث. و الانصاف أنه أشرف من أكثر المسائل، و مع ذلك قد تسامح فيه الكلاميون و لم يبحثوا عنه حقّ البحث.
و كيف ما كان، و الذى يدلّ على إثبات حكمته بهذا المعنى و أنه لا يفعل إلّا ما هو أكمل الوجوه الممكنة و أفضلها، وجوه:
الأول: إنّه تعالى عالم بجميع جهات الفعل المحسنة و المقبحة، و قادر على إيجاده بأىّ وجه شاء. و ليس له حاجة و شهوة بشىء أصلا، فلا مانع و لا رادع له من إتيانه أبدا، فإذا فرض دوران الأمر بين إيجاد شىء على وجه أكمل و أسدّ ممكن، و إيجاده على وجه كامل فضلا عن ناقص، فلا شكّ فى اختياره تعالى الجانب الأول بالضرورة، ألا ترى أنا معاشر العقلاء فى مفروض المثال نختار إيجاد الشىء على النحو الأكمل فالأكمل، بطبيعة عقولنا و خميرة فطرتنا بلا تردد و توقّف، فما علمك بالواجب المتعالى عن النقصان، الكامل ذاتا بكل الكمال؟
فإن قلت: فكيف هؤلآء العقلاء الذين يختارون اللذات الآنية و الشهوات الدنية و يؤثرونها على الأنعام الدائمية و الآلاء العظيمة؟ و كيف يرجّحون مقتضى الشهوية و الغضبية على العاقلة؟ و غضب الخالق