العقائد الإسلامية للمتوسطين من المحصلين للعلوم الدينية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٥٤ - الفصل الثانى فى حكمته تعالى
على رضاه؟
قلت: المختار لهذه الأمور حين اختياره لا محالة يرى أرجحية فعلها من تركها و إلّا لما فعلها، فالجانى- لضعف عقله و غلبة شهوته أو غضبه- يعتقد فى حين العمل أن جريمته أرجح من تركها، فيرتكبها و لا دخل لمفسدتها الواقعية فى اختياره هذا، و اعتقاده الأرجحية كما لا يخفى، فهذا السؤال غير متوجّه إلى المقام، فإن الإقدام على القبيح إمّا من جهة الجهل أو الغفلة عن حقيقة الحال أو من جهة مزاحمة الداعى، و محل الكلام فرض انتفاء الجميع، و إن شئت فقل: إنّ اختيار الناقص بل الكامل على الأكمل فى مفروض المثال ترجيح المرجوح على الراجح، و هو ممتنع عقلا.
الثانى: إن اتقان جملة من أفعاله محرز، و كلّ ما يزداد فى رقى العلوم و يتّسع دائرتها يزداد فى انكشاف حكمته البالغة المتحققة فى الأشياء، و يظهر اتقان المصنوعات و إحكامها على وجه أدق تندهش به العقول و تضطرب الافكار، فيضطر الانسان إلى الاقرار بحكمته و كمال خلقه و تمام فاعليته. فلست ان ترى «فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ» و البصيرة كرّات «يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ»[١] و البصيرة عاجزة متحيرة.
[١] . الملك: ٦٧/ ٤.