فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٧٥ - تحديد النسـل والتعقيــم / ٢ / آية اللّه السيّد محسن الخرازي
قتل النفس وبين ترك واجب وهو حفظ نفسه وعدم تعريضه للهلاك ، فمقتضى حكم العقل عند التزاحم ودوران الأمر بين المحذورين وعدم ترجيح أحدهما على الآخر هو التخيير ، وعليه فالحامل تتخيّر بين حفظ نفسها بإسقاط الولد وإعطاء الدية ، وبين الكفّ عن الإسقاط وتحمّل الموت (٨).
ويشكـل ذلـك :بما عرفت من حكومة أدلّة التقيّة على دليل حفظ وجوب النفس ، فالتزاحم فرع وجود الملاك في الطرفين ، ومع حكومة تلك الأدلّة فلا ملاك لوجوب حفظ نفسها في هذه الصورة حتى يلزم التزاحم (٩).
والقـولبأنّ دليل نفي الحرج حاكم على دليل عدم التقيّة في الدم وإن كانت النسبة بينهما هي العموم من وجه ؛ لأنّ عدم التقيّة في الدم أعمّ من أن يلزم الحرج في تركه (١٠).
لا ترجيح لهمن دعوى العكس ؛ فإنّ قوله (عليه السلام) : « وإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة » (١١)من العناوين الحاكمة . هذا مضافاً إلى أنّ نفي الحرج يدلّ على جواز ارتكاب الدم أو تقديم نفي الحرج على حرمة ارتكاب الدم فيما إذا كان الشرّ والضرر متوجّهين إلى الغير بالطبع ، لا في مثل المقام الذي وقع الطرفان في الشرّ والضرر بطبعهما ويكون الضرر متوجّهاً إليهما معاً ؛ فإنّ الرفع في مثله بالنسبة إلى أحد الطرفين خلاف الامتنان على الاُمّة ، وأيضاً نفي الحرج كنفي الضرر ، فلا يشمل الأحكام الواردة مورد الضرر والحرج كالجهاد .
وفي المقام يكون تحمّل الضرر بعدم إراقة دم الغير حكماً وارداً مورد الضرر ، فلا تشمله أدلّة نفي الحرج . وأيضاً لو قدّم نفي الحرج على نفي التقيّة فيما إذا بلغت الدم لا يبقى مورد لنفي التقيّة وصار قوله (عليه السلام) : « إذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة » لغواً ، فلا تغفل .
وعليه ، فمع حكومة أدلّة التقية لا ملاك في وجوب حفظ النفس حتى يرجع الأمر إلى الدوران بين المحذورين .
(٨)راجع مباني تكملة المنهاج ٢ : ١٣. صراط النجاة ١ : ٣٣٢.
(٩)هذا مضافاً إلى إمكان منع حرمة ترك حفظ النفس لحفظ الغير مستدلاًّ عليه بما حكته بعض كتب التاريخ (انظر : المستطرف من كلّ فنّ مستظرف ، لشهاب الدين محمّد بن أحمد بن أبي الفتح ، المولود سنة ٧٩٠هـ ، والمتوفّى سنة ٨٥٠هـ ، الباب الثالث والثلاثون) « عن حذيفة العدوي أنّه قال : انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمّ لي في القتلى ومعي شيء من الماء وأنا أقول : إن كان به رمق سقيته ، فإذا أنا به بين القتلى ، فقلت له : أسقيك؟ فأشار إليّ أن نعم ، فإذا برجل يقول : آه ، فأشار إليّ ابن عمّي أن انطلق إليه واسقه ، فإذا هو هشام بن العاص ، فقلت : أسقيك؟ فأشار إليّ أن نعم ، فسمع آخر يقول : آه ، فأشار إليّ أن انطلق إليه ، فجئته فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى ابن عمّي فإذا هو قد مات .
(١٠)كما في المكاسب المحرّمة لسيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره) ٢ : ١٥٥.
(١١)الوسائل ١١: ٤٨٣، ب ٣١، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ح٢ .