مصباح المنهاج: الإجتهاد و التقليد - الطباطبائي الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٧٥ - الكلام في لزوم الحرج من تقليد الأعلم
كاشف عن أن كل ما يعتبر في التقليد لم يعتبر بنحو يستلزم الحرج نوعا، وعلى هذا جرت سيرة الشيعة في باب التقليد في جميع العصور.
وهذا راجع إلى أن الاستدلال بلزوم الحرج ليس بلحاظ الرجوع إلى قاعدة رفع الحرج التي هي من القواعد الاجتهادية، ويكون المدار فيها على الحرج الشخصي، بل بلحاظ القطع بعدم جعل الشارع الأقدس لشروط التقليد بالنحو الذي يستلزم الحرج نوعا.
وحينئذ فلا مجال لجعله مانعا عن تعيين الأعلم عند الاختلاف وبثبوت التخيير بينه وبين غيره مطلقا لما عرفت من عدم اطراد لزوم الحرج من تعيين الأعلم، ومن ثم كان المشهور وجوب تقليد الأعلم في الجملة وجرت على ذلك سيرة العامة في كثير من العصور تبعا لهم، ولم يظهر وقوعهم في الحرج بسبب ذلك.
نعم، قد ينفع الوجه المذكور في بعض ما يتعلق بذلك من لزوم الفحص ومقداره وغير ذلك، فيجوز الاعتماد على الوجه المذكور فيها بالمقدار الذي يحصل به القطع بحكم الشارع الأقدس ولو بضميمة السيرة وإن كان مخالفا للقواعد، ولعله يأتي التنبيه لبعض ذلك.
وقد تحصل من جميع ما تقدم: أن دليل الحرج في المقام ليس دليلًا لفظياً يتمسك بعمومه، كسائر الظهورات الكلامية، بل هو دليل لبي يقتصر فيه على مورد اليقين بحكم الشارع الأقدس.
هذا تمام ما استدل به على جواز تقليد المفضول مع التمكن من تقليد الأفضل، وقد عرفت عدم نهوضه بإثبات ذلك، فلا مخرج عما يقتضي لزوم تقليد الأعلم من سيرة العقلاء القطعية الجارية في جميع موارد الرجوع إلى أهل الخبرة، وقد عرفت أنها قرينة عرفية على تنزيل الإطلاقات عليه عند التعارض.
هذا، وقد يستدل في المقام بالأصل العقلي، لدوران الأمر بين التعيين والتخيير الذي يلزم فيه البناء على مقتضى التعيين، لأصالة عدم الحجية في الطرف الآخر، وهو فتوى المفضول في المقام، كما اشرنا إليه في نظائر المقام، من دون فرق