مصباح المنهاج: الإجتهاد و التقليد - الطباطبائي الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٧٩ - الاستدلال بوجوه لا تنهض بإثبات المطلوب من الأخبار وغيرها
وأما ظهور المقبولة في الترجيح عند الاختلاف في الحكم الكلي فهو وإن كان مسلما، إلا أنه لا يجدي بعد اختصاصها بالقضاء الذي يمتنع فيه الحكم بالتخيير، لعدم صلوحه لرفع الخصومة، فالتعدي منه للتقليد بلا شاهد. مع أنها إنما تقتضي ترجيح الأعلم من الحكمين، لا الأعلم من جميع الناس، الذي هو المدعى في المقام، كما نبه له بعض مشايخنا.
بل إطلاقات أدلة النصب ظاهرة في عدم اختصاص المنصب بالأعلم، بل تعم غيره وإن خالف الأعلم في الفتوى.
ومما ذكرنا يظهر حال الاستدلال بما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده إلى الأشتر: (اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك)، مع أنه وارد في تكليف إداري خاص، فلا يكشف عن الحكم الشرعي في القضاء فضلا عن التقليد. ولذا لا ينافي الإطلاقات المقتضية لنفوذ قضاء المفضول.
الثالث: ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام)- كما عن نهج البلاغة-. (أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) (فإن المراد به وإن كان شخصه (عليه السلام) والأئمة من ولده (عليهم السلام)، إلا أن الاستدلال به- كما ذكره شيخنا الأستاذ دامت بركاته- بلحاظ الكبرى الراجعة إلى أولوية الأعلم. وليس المراد من أولويته بالنبي (صلى الله عليه وآله) قيامه مقامه في مناصبه، ليكون المراد به الإمامة والخلافة العظمى، بل قيامه مقامه في أداء حكم الله تعالى لعباده وتبليغهم به، لأنه المناسب لذكر الأعلمية في الأحكام، إذ الخلافة من حيث هي لا تناسب ذلك. وذلك في عصر الحضور مختص بالأئمة (عليهم السلام) وفي عصر الغيبة ينتقل إلى علماء الأمة، فالأعلم منهم هو الأولى ببيان الأحكام والفتوى بها.
وفيه: أن إطلاق الأولوية بالنبي (صلى الله عليه وآله) ظاهر في إرادة الخلافة العظمى، ولا مجال لإنكار المناسبة بينها وبين الأعلمية بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، ضرورة أن منصب الخلافة يبتني على حفظ الأحكام الشرعية ورعايتها وتنفيذها في الأمة، وهو يناسب اعتبار العلم بها جدا، وعليه يبتني ما ذكره علماء الإمامية من لزوم كون الإمام أعلم