مصباح المنهاج: الإجتهاد و التقليد - الطباطبائي الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٥٩ - التفصيل بين العلم بفتوى الميت والجهل بها
المقام مما احتمل فيه وجوب العدول، لاحتمال مانعية الموت مطلقاً، ودلالة الإطلاقات على عدم مانعيته لا تنفع بعد قصور الإطلاقات عن صورة التعارض بين المجتهدين واختلافهم في الفتوى.
ثم إنه سبق من بعض مشايخنا الاستدلال على عدم جواز تقليد الميت ابتداء بقصور الأدلة الشرعية عنه، لأنه قد اعتبر في المرجع عناوين خاصة، كالفقيه والعالم وأهل الذكر، وهي لا تصدق على الميت، ومع ذلك التزم بجواز البقاء على تقليده بدعوى: أن إطلاق الأدلة المذكورة إنما يقتضى اعتبار العناوين المذكورة حين الرجوع للمجتهد، لا حين العمل بقوله، بل مقتضى إطلاقها حجية قوله بعد الرجوع له ولو في ما يتجدد من الوقائع بعد موته.
ومن ثم قال: (يكفي في جواز البقاء على التقليد أو وجوبه تعلم الفتوى للعمل وكونه ذاكرا لها).
وكأن اعتبار تذكره لها لأنه لو نسيها يكون تعلمه لها رجوعاً جديداً، فلا يجوز إذا كان المرجع ميتا لعدم صدق العناوين المذكورة عليه.
وفيه: أولًا: أنه لا إشكال في عدم أخذ عنوان الرجوع شرطا في حجية فتوى المفتي، بل تكون فتواه حجة ولو لم يرجع إليه، ولذا يكون المكلف مقصراً لو لم يرجع لواجد الشرائط، وليس الرجوع إلا عنواناً منتزعا من متابعة المجتهد في العمل التي هي من آثار حجية فتواه المتفرعة عليها، ومثلها وجوب سؤاله والأخذ منه وتقليده وغير ذلك، مما اشتملت عليه الأدلة الشرعية، فهي بأجمعها من آثار الحجية لا من شروطها.
وحينئذ فإن استفيد من الأدلة اعتبار العناوين المذكورة- من العالم والفقيه وغيرهما- حين صدور الفتوى- كما سبق تقريبه- تعين جواز الرجوع للميت ابتداء، وإن استفيد منها اعتبارها حين العمل بالفتوى تعين المنع من البقاء على تقليده.
نعم، قد يقال: إن وجوب الرجوع وإن كان متفرعا على الحجية ثبوتا، إلا أنها متفرعة عليه إثباتا، لأنها استفيدت من أدلته، وحينئذ فالمتيقن هو حدوث الحجية