مصباح المنهاج: الإجتهاد و التقليد - الطباطبائي الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٣٠٩ - الكلام في أخذ ستر العيب في مفهوم الغيبة
الناس اغتابه، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته)[١].
وقد يشهد به أيضا رواية داود بن سرحان: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغيبة.
قال: (هو أن تقول لاخيك في دينه ما لم يفعل وتثبت عليه أمرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد)[٢].
وفيه: أنه لا ينبغي التأمل في عدم تقوم الغيبة عرفا بكشف السر وهتك الستر، لما أشرنا إليه آنفا من تشبيهها بأكل اللحم ومقابلتها بالمدح والتعبير عنها الهمز واللمز، فان ذلك يناسب حملها على الاعابة، كما تقدم- لا على كشف السر، وكذا ما ورد من الأمر بنصر المغتاب- بالفتح- فانه لا موضوع للنصر مع كشف السر.
مضافا إلى ما ورد في نزول الآية من أن رجلين بعثا سلمان (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليأتي لهما بطعام، فبعثه إلى أسامة بن زيد، وكان خازن رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رحله فقال: ما عندي شيء، فعاد إليهما، فقالا: بخل أسامة.
وقالا لسلمان: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله): (مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما) قالا: يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما.
قال: (ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة)، فنزلت الآية[٣].
وعن عائشة: (دخلت علينا امراءة فلما ولت أومأت بيدي، أي: قصيرة، فقال (صلى الله عليه وآله): (اغتبتيها)[٤].
فإن جميع ذلك شاهد بعدم تقوم الغيبة بهتك الستر وكشف السر.
وأما كلام اللغويين المتقدم فهو لم يتضمن أخذ الستر في العيب المقول، ليكون شاهدا له، بل أخذه في الشخص المقول فيه، ليخرج المتجاهر، فلابد أن ينزل
[١] الوسائل، ج ٨، ص ٦٠٤، باب ١٥٤ من أبواب أحكام العشرة، حديث ٣.
[٢] الوسائل، ج ٨، ص ٦٠٤، باب ١٥٤ من أبواب أحكام العشرة، حديث ١.
[٣] راجع البيان في تفسير آية الغيبة من سورة الحجرات.
[٤] عن الدر المنثور، ج ٦، ص ٩٤.