مصباح المنهاج: الإجتهاد و التقليد - الطباطبائي الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٢٧ - الاستدلال على الاجزاء بالإجماع والسيرة
لخطأ المكلف في فهم الدليل الواصل، وتبدل اجتهاده في ذلك، أو لنسيانه للدليل أو نحوه مما يعود للمكلف نفسه وإن كان معذورا، لعدم شيوع الابتلاء بذلك في تلك العصور، لقربهم من زمان الخطاب بالحكم الموجب لتيسر فهمهم له غالبا وعدم ضياعه عليهم. ولو فرض ابتلاؤهم به فلا يتضح بناؤهم على الاجزاء معه.
ومنه يظهر عدم الاجزاء في المقام في حق المجتهد نفسه، لاستناد رأيه في عصورنا إلى انكشاف الخطأ له في فهم الأدلة أو غفلته عن بعضها، لا لعدم تيسر الوصول إليها، بخلاف العامي، فإن عدم وصوله للواقع لعدم تيسر الوصول له غالبا، وليس ناشئا منه ارتكازا.
نعم، لو كان ناشئا من خطئه في فهم كلام المجتهد أو غفلته عن تشخيص مراده أو نحوهما، فلا مجال للبناء على الاجزاء، لعدم وضوحه من السيرة المذكورة.
كما أنه لا يفرق في الاجزاء في حق العامي بين انكشاف خطأ الفتوى له باجتهاده أو قطعه، وعدول المجتهد الذي يرجع إليه عن فتواه، وعدوله من أحد المجتهدين للآخر، لعدم الفرق في الارتكاز الذي هو منشأ للسيرة بين الجميع بعد عدم استناد ضياع الواقع لأمر راجع إليه.
ثم إنه لا يبعد اختصاص السيرة بالعبادات ونحوها مما يقتضي بعض الآثار المترتبة على بطلان العمل التي هي من سنخ التدارك، كالقضاء والضمان ونحوهما، وأما ما لا يكون من سنخ التدارك، بل من سنخ الجري على مقتضى العمل السابق وترتيب آثار صحته فلا يتضح قيام السيرة عليه، فمن ذكى بغير الحديد مثلا لم يبعد توقفه عن أكل اللحم بعد انكشاف الخطأ له، وكذا من تزوج امرأة قام الدليل عنده على حليتها لم يبعد توقفه عن مباشرتها وترتيب آثار الزوجية عليها بعد انكشاف الخطأ، ونحو ذلك مما لا يكون من سنخ التدارك، لان المتيقن من السيرة خصوص ذلك.
ولعله إليه يرجع ما قيل من اختصاص الإجماع بالعبادات، وإلا فلا يتضح وجه خصوصيتها. فاللازم الرجوع في غير ذلك إلى ما عرفت من القاعدة.