مصباح الفقاهة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٥١
وأما الايجاد الاعتباري فان كان المراد به وجوده في نفس المتكلم فهو واضح الفساد، فان الاعتبار النفساني من أفعال النفس، ومن المعلوم أن أفعال النفس توجد فيها بفاعليتها بلا احتياج إلى عالم الالفاظ أصلا ورأسا. وإن كان المراد من الايجاد الاعتباري وجود المعنى في اعتبار العقلاء فيتوجه عليه أن الانشاء وإن كان موضوعا لاعتبار العقلاء. إلا أن هذا الاعتبار مترتب على تحقق الانشاء في الخارج. وكلامنا في تصوير حقيقته، سواء أكان ذلك موردا لاعتبار العقلاء أو الشرع، أم لم يكن. وعلى الجملة: إنا لا نعقل معنى محصلا لتعريف الانشاء بايجاد المعنى باللفظ، سواء في ذلك الايجاد الاعتباري والايجاد الخارجي. والتحقيق: أن الانشاء إبراز الاعتبار النفساني بمبرز خارجي. كما أن الخبر إبراز قصد الحكاية عن الثبوت أو السلب بالمظهر الخارجي. والسر في ذلك أنا ذكرنا في مبحث الوضع من مدخل علم الاصول: أن حقيقة الوضع هي التعهد والالتزام النفسي بجعل لفظ خاص، أو هيئة خاصة مبرزا لقصد تفهيم أمر تعلق غرض المتكلم بتفهيمه. ومن البديهي أن هذا المعنى أمر اختياري لكل من التزم بذلك وتعهد به. والارتباط الحاصل بين الدال والمدلول أمر قهري ومنتزع من الالتزام المذكور. ولا يخفى على الفطن العارف أن هذا المعنى للوضع موافق للوجدان والذوق السليم، والارتكاز العقلائي، والفهم العرفي، والمعنى اللغوي، بديهة أو الوضع في اللغة بمعنى الجعل والاقرار والاثبات وما يراد منها من ألفاظ أية لغة كانت. وعليه فالتزام المتكلم بابراز مقاصده - عند التفهيم - بالالفاظ الخاصة نوع من الوضع. ومن هنا يطلق الواضع على مقنن القوانين في المحاكم العرفية. وعلى هذا النهج فكل من تعهد بابراز مقاصده بالالفاظ المتداولة بين أهل اللسان