مصباح الفقاهة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٠٥
الثاني: أن يقال إن استصحاب الجاري في طرف يتقدم على البراءة الجارية في الطرف الآخر، لحكومة دليل الاستصحاب على دليل البراءة، فإذا علمنا بعدم مطابقة أحدهما للواقع - كما هو الحال في المقام - تعين العمل بالاستصحاب، ويرتفع بذلك موضوع البراءة. وقد ذهب إلى هذا جمع من المحققين. وعليه فيجري استصحاب السلطنة، فيحكم بالضمان بالبدل الواقعي دون المسمى. أما الوجه الاول فيرد عليه: أنا ذكرنا في محله أن مجرد كون أحد الاصلين سببيا والآخر مسببيا لا يسوغ حكومة الاول للثاني، بل لابد في ذلك أن يكون ارتفاع الثاني أو ثبوت ضده أثرا شرعيا للاول، ومن البديهي أن عدم البراءة عن الضمان بالمثل أو القيمة ليس من الآثار الشرعية لاستصحاب السلطنة لكي يترتب عليه ارتفاع أصالة البراءة عن الضمان بالبدل الواقعي. وإنما الاثر الشرعي المترتب على استصحاب السلطنة هو جواز رجوع مالك العين إليها. ومن لوازمه العقلية ضمانه بالبدل الواقعي للعين التالفة، ضرورة قيام القرينة الخارجية على أن مالك العين التالفة لم يعطها لمالك العين الباقية إعطاء مجانيا، ومن البديهي أن هذه الملازمة الخارجية لا تدل على ارتفاع الاصل المسببي بالاصل السببي إلا على القول بالاصل المثبت. وهذا واضح لا ريب فيه. أما الوجه الثاني فيرد عليه أولا: أن دليل الاستصحاب إنما يكون حاكما على أصالة البراءة فيما إذا كان مجراهما واحدا، فان الواقع حينئذ يحرز بالاستصحاب فلا يبقى مجال للرجوع إلى البراءة. أما إذا تعدد المجرى فلا موجب للتقديم، فإذا علمنا إجمالا بوقوع نجاسة في الماء أو علمنا بكون المايع الآخر ولا كان استصحاب عدم وقوع النجس في الماء معارضا بقاعدة الطهارة في المايع الآخر، لا أن الاستصحاب يجري وتثبت به نجاسة ذلك المايع، والمقام من هذا القبيل إلا أن يلتزم بحجية الاصل المثبت، فانه لا مانع حينئذ من جريان الاستصحاب وحكومته على أصالة الطهارة أو أصالة البراءة.