بلاغة الامام علي بن الحسين (ع) - حائری، جعفر عباس - الصفحة ٢٩
(ومن خطبة له عليه السلام)
(في التحذير عن الدنيا)
.حمد اللّه ، وأثنى عليه ، وذكر جدّه فصلّى عليه ثُمَّ قال : أيّها النّاس أُحذّركم من الدنيا وما فيها ، فإنّها دار زوال وانتقال ، تنتقل بأهلها من حال إلى حال ، وهي قد أفنت القرون الماضية [١] والأُمم الماضية ، وهم الّذين كانوا أكثر منكم مالاً ، وأطول أعمارا ، وأكثر آثارا ، أفنتهم أيدي الزمان ، وأحتوت عليهم الأفاعي والديدان ، أفنتهم الدنيا فكأنّهم لا كانوا لها أهلاً ولا سكّانا، وقد أكل التراب لحومهم ، وأزال محاسنهم ، وبدّد أوصالهم وشمائلهم، وغيّر ألوانهم ، وطحنتهم أيدي الزمان ، أفتطمعون بعدهم بالبقاء ، هيهات هيهات ، فلابدّ من اللحوق والملتقى [٢] ، فتدركوا [٣] ما مضى من عمركم وما بقى ، وافعلوا فيه ما سوف يعدّ لكم من الأعمال الصالحة [٤] قبل انقضاء الأجل ، وفروغ الأمل ، فعن قريب تؤخذون من القصور إلى القبور ، حزينين غير مسرورين ، فكم واللّه من فاجرٍ قد استكملت عليه الحسرات ، وكم من عزيز وقع في مسالك الهلكات ، حيث لا ينفعه الندم ولا يغاث من ظلم ، وقد وجدوا ما أسلفوا ، واحذروا ما تزوّدوا ، ووجدوا ما عملوا حاضرا ، ولا يظلم ربّك أحدا ، فهم في منازل البلوى همود [٥] ، وفي عسكر الموتى خمود ، ينتظرون صيحة القيامة ، وحلول يوم الطامّة [٦]
[١] في بعض النسخ : «الخالية» .[٢] ليس في بعض النسخ : «من اللحوق» .[٣] في بعض النسخ : «فتدبّروا» .[٤] في بعض النسخ : «ما فعلوا فيه ، ما سوف يلقى عليكم بالأعمال الصالحة» .[٥] «الهمود»: الموت .[٦] «الطامة» : الداهية ؛ لأنها تطم كل شيء ، أي تعلوه وتغطيه ، غريب القرآن ، ص ١٦١ للسجستانى .