تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٨٠ - ذكر تفاقم الخلاف بين الامين و المأمون
فحملوا محروسين، لا خبر يصل اليهم، و لا خبر يتطلع منهم الى غيرهم، و قد كانوا معدين لبث الخبر في العامه و اظهار الحجه بالمفارقة و الدعاء لأهل القوه الى المخالفه، يبذلون الأموال، و يضمنون لهم معظم الولايات و القطائع و المنازل، فوجدوا جميع ذلك ممنوعا محسوما، حتى صاروا الى باب المأمون.
و كان الكتاب النافذ معهم الى المأمون:
اما بعد، فان امير المؤمنين الرشيد و ان كان افردك بالطرف، و ضم ما ضم إليك من كور الجبل، تأييدا لأمرك، و تحصينا لطرفك، فان ذلك لا يوجب لك فضله المال عن كفايتك و قد كان هذا الطرف و خراجه كافيا لحدثه، ثم تتجاوز بعد الكفاية الى ما يفضل من رده، و قد ضم لك الى الطرف كورا من أمهات كور الأموال لا حاجه لك فيها، فالحق فيها ان تكون مردوده في أهلها، و مواضع حقها فكتبت إليك اسالك رد تلك الكور الى ما كانت عليه من حالها، لتكون فضول ردها مصروفه الى مواضعها، و ان تاذن لقائم بالخبر يكون بحضرتك يؤدى إلينا علم ما نعنى به من خبر طرفك، فكتبت تلط دون ذلك بما ان تم امرك عليه صيرنا الحق الى مطالبتك، فاثن عن همك اثن عن مطالبتك، ان شاء الله.
فلما قرأ المأمون الكتاب كتب مجيبا له:
اما بعد، فقد بلغنى كتاب امير المؤمنين، و لم يكتب فيما جهل فاكشف له عن وجهه، و لم يسال ما يوجبه حق فيلزمني الحجه بترك اجابته، و انما يتجاوز المتناظران منزله النصفه ما ضاقت النصفه عن أهلها، فمتى تجاوز متجاوز- و هي موجوده الوسع- و لم يكن تجاوزها الا عن نقضها و احتمال ما في تركها، فلا تبعثني يا بن ابى على مخالفتك و انا مذعن بطاعتك، و لا على قطيعتك و انا على ايثار ما تحب من صلتك، و ارض بما حكم به الحق في امرك أكن بالمكان الذى أنزلني به الحق فيما بيني و بينك و السلام.
ثم احضر الرسل، فقال: ان امير المؤمنين كتب في امر كتبت له في جوابه، فابلغوه الكتاب، و اعلموه انى لا أزال على طاعته، حتى يضطرني