تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٧٩ - ذكر تفاقم الخلاف بين الامين و المأمون
يا فضل اليه، فكتب:
قد بلغنى كتاب امير المؤمنين يسألني التجافى عن مواضع سماها مما اثبته الرشيد في العقد، و جعل امره الى، و ما امر رآه امير المؤمنين احد يجاوز اكثره، غير ان الذى جعل الى الطرف الذى انابه، لا ظنين في النظر لعامته، و لا جاهل بما اسند الى من امره، و لو لم يكن ذلك مثبتا بالعهود و المواثيق المأخوذة، ثم كنت على الحال التي انا عليها من اشراف عدو مخوف الشوكه، و عامه لا تتالف عن هضمها، و اجناد لا يستتبع طاعتها الا بالأموال و طرف من الافضال- لكان في نظر امير المؤمنين لعامته و ما يحب من لم اطرافه ما يوجب عليه ان يقسم له كثيرا من عنايته، و ان يستصلحه ببذل كثير من ماله، فكيف بمسألة ما أوجبه الحق، و وكد به مأخوذ العهد! و انى لأعلم ان امير المؤمنين لو علم من الحال ما علمت لم يطلع بمسألة ما كتب بمسألته الى ثم انا على ثقه من القبول بعد البيان ان شاء الله.
و كان المأمون قد وجه حارسه الى الحد، فلا يجوز رسول من العراق حتى يوجهوه مع ثقات من الأمناء، و لا يدعه يستعلم خبرا و لا يؤثر أثرا، و لا يستتبع بالرغبة و لا بالرهبة أحدا، و لا يبلغ أحدا قولا و لا كتابا فحصر اهل خراسان من ان يستمالوا برغبه، او ان تودع صدورهم رهبه، او يحملوا على منزل خلاف او مفارقه ثم وضع على مراصد الطرق ثقات من الحراس لا يجوز عليهم الا من لا يدخل الظنه في امره ممن اتى بجواز في مخرجه الى دار مابه، او تاجر معروف مأمون في نفسه و دينه، و منع الاشتاتات من جواز السبل و القطع بالمتاجر و الوغول في البلدان في هيئة الطارئه و السابلة، و فتشت الكتب.
و كان- فيما ذكر- أول من اقبل من قبل محمد مناظرا في منعه ما كان سال جماعه، و انما وجهوا ليعلم انهم قد عاينوا و سمعوا، ثم يلتمس منهم ان يبذلوا او يحرموا فيكون مما قالوا حجه يحتج بها، او ذريعه الى ما التمس منها فلما صاروا الى حد الري، وجدوا تدبيرا مؤيدا، و عقدا مستحصدا متأكدا، و اخذتهم الاحراس من جوانبهم، فحفظوا في حال ظعنهم و اقامتهم من ان يخبروا او يستخبروا، و كتب بخبرهم من مكانهم، فجاء الاذن في حملهم