تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٧٨ - ذكر تفاقم الخلاف بين الامين و المأمون
تشاور في مخطر، فاجعل لبديهتنا حظا من الروية، فقال المأمون: ذلك هو الحزم، و اجلهم ثلاثا، فلما اجتمعوا بعد ذلك، قال احدهم: ايها الأمير، قد حملت على كرهين، و لست ارى خطا مدافعه بمكروه أولهما مخافه مكروه آخرهما و قال آخر: كان يقال ايها الأمير، اسعدك الله، إذا كان الأمر مخطرا، فاعطاؤك من نازعك طرفا من بغيته امثل من ان تصير بالمنع الى مكاشفته.
و قال آخر: انه كان يقال: إذا كان علم الأمور مغيبا عنك، فخذ ما امكنك من هدنة يومك، فإنك لا تامن ان يكون فساد يومك راجعا بفساد غدك و قال آخر: لئن خيفت للبذل عاقبه، ان أشد منها لما يبعث الآباء من الفرقة و قال آخر: لا ارى مفارقه منزله سلامه، فلعلى اعطى معها العافيه فقال الحسن: فقد وجب حقكم باجتهادكم، و ان كنت من الرأي على مخالفتكم، فقال له المأمون: فناظرهم، قال: لذلك ما كان الاجتماع.
و اقبل الحسن عليهم، فقال: هل تعلمون ان محمدا تجاوز الى طلب شيء ليس له بحق؟ قالوا: نعم، و يحتمل ذلك لما نخاف من ضرر منعه قال: فهل تثقون بكفه بعد اعطائه إياها، فلا يتجاوز بالطلب الى غيرها؟ قالوا: لا، و لعل سلامه تقع من دون ما يخاف و يتوقع قال: فان تجاوز بعدها بالمسألة، ا فما ترونه قد توهن بما بذل منها في نفسه! قالوا: ندفع ما يعرض له في عاقبه بمدافعه محذور في عاجله! قال: فهذا خلاف ما سمعناه من قول الحكماء قبلنا، قالوا: استصلح عاقبه امرك باحتمال ما عرض من كره يومك، و لا تلتمس هدنة يومك باخطار ادخلته على نفسك في غدك قال المأمون للفضل:
ما تقول فيما اختلفوا فيه؟ قال: ايها الأمير، اسعدك الله، هل يؤمن محمد ان يكون طالبك بفضل قوتك ليستظهر بها عليك غدا على مخالفتك! و هل يصير الحازم الى فضله من عاجل الدعة بخطر يتعرض له في عاقبه، بل انما اشار الحكماء بحمل ثقل فيما يرجون به صلاح عواقب أمورهم فقال المأمون:
بل بايثار العاجلة صار من صار الى فساد العاقبه في امر دنيا او امر آخره.
قال القوم: قد قلنا بمبلغ الرأي، و الله يؤيد الأمير بالتوفيق فقال: اكتب