الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٧٩ - ٢١١٨- خوف عبد اللّه بن خازم من الجرذ
من شدّة مخالفة البلدة لطبائعها و نقضها لقواها. و إنما أسرع إليها الموت عندكم للذي يعتريها من الآفات و الأعراض في دوركم، فاجتمعت عليها خصال، أوّل ذلك أنها مع الوحش و في صميم بلادها أجرأ و أقوى، و أشهم نفسا و أمضى، فلمّا اصطدناها بالحيل، و صيّرناها مقصورة أهليّة بعد أن كانت وحشيّة و في غير غذائها، لأنّها كانت تشرب إذا احتاجت، و تأكل إذا احتاجت و تأخذ من ذلك على مقادير ما تعرف من موقع الحاجة، فلما صارت إلى قيام العبيد عليها، و الأجراء بشأنها، و الوكلاء بما يصلحها دخل ذلك من النقض و الخور، و الخطأ و التقصير، على حسب ما تجد في سائر الأشياء، ثم لم نرض بذلك حتّى نقلناها من تلك البلدة على إنكارها لتلك اللدة، فصيّرناها إلى الضدّ بعد أن كانت في الخلاف.
و قد علمنا أنّ سبيلها سبيل سائر الحيوان، فإنّ الإبل تموت ببلاد الروم و تهلك و تسوء حالها، و العقارب تموت في مدينة حمص [١] ، و التماسيح تموت إن نقلت إلى دجلة و الفرات، و النّاس يصيبهم الجلاء فيموتون و يتهافتون. و قد علمنا أنّ الزّنج إذا أخرجوا من بلادهم فما يحصل بالبصرة عندنا منهم إلاّ اليسير. و كذلك لو نقلوا إليكم بزر الفلفل و السّاج و الصّندل و العود، و جميع تلك الأهضام [٢] ، فما امتناع نبات العاج ببلادكم إلاّ كامتناع نبات الآبنوس، و إن كان ينبت في حيوان و الآخر في أرض.
فلا يفتخرنّ مفتخر في الأسد في هذه البلدة إذا قاوم الفيل. و الأسد هاهنا في بلاده و في الموضع الذي تتوفّر أموره عليه، لأنّ أسد العراق هي الغاية، و أقواها أسد السّواد ثم أسد الكوفة. و لأنّ الفيلة عندكم أيضا ترى عندكم السّنانير، و قد جعل اللّه في طبع الفيل الهرب من السّنّور و الوحشة منه، كما أنّ بعض شجعانكم يمشي إلى الأسد، و يقبض على الثّعبان، و لا يستطيع النّظر إلى الفأر و الجرذان، حتى يهرب منها كلّ الهرب، و يعتريه من النّفضة و اصفرار اللّون ما لا يعتري المصبور على السّيف و هو يلاحظ بريقه عند قفاه [٣] .
٢١١٨-[خوف عبد اللّه بن خازم من الجرذ]
و ذكر عليّ بن محمد السميري قال [٤] : بينما عبد اللّه بن خازم السّلميّ عند عبيد
[١] ربيع الأبرار ٥/٤٧٧، و معجم البلدان (حمص) .
[٢] الأهضام: الطيب، و قيل البخور.
[٣] ربيع الأبرار ٥/٤٧١.
[٤] ربيع الأبرار ٥/٤٧١.