الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٩ - باب ذكر اختلاف طبائع الحيوان و ما يعتريها من الأخلاق
عصافير و ذبّان و دود # و أجرأ من مجلّحة الذئاب
و لو لا أنّ تفسير هذا قد مرّ في باب القول في العصافير في كتاب الحيوان لقلنا في ذلك.
باب ذكر اختلاف طبائع الحيوان و ما يعتريها من الأخلاق
الذئب لا يطمع فيه صاحبه، فإذا دمي وثب عليه صاحبه فأكله [١] ، و إذا عضّ الذّئب شاة فأفلتت منه بضرب من الضروب، فإنّ عادة الغنم إذا وجدت ريح الدّم أن تشمّ موضع أنياب الذئب، و ليس عندها عند ذلك إلاّ أن ينضمّ بعضها إلى بعض؛ و لذلك قال جرير [٢] لعمر بن لجأ التّيميّ: [من الطويل]
فلا يضغمنّ اللّيث تيما بغرّة # و تيم يشمّون الفريس المنيّبا
فذكر أنّهم كالغنم في العجز و الجبن. و إذا دمي الحمار ألقى نفسه إلى الأرض و امتنع ممن يريده بالعضّ و بكلّ ما قدر عليه، غير أنه لا ينهض و لا يبرح مكانه. و إذا أصاب الأسد خدش أو شحطة [٣] بعد أن يدمى مكانه فإنّ ذبّان الأسد تلحّ عليه، و لا تقلع عنه أبدا حتى تقتله.
و للأسود ذبّان على حدة، و كذلك الكلاب، و كذلك الحمير، و كذلك الإبل، و كذلك الناس.
و إذا دمي الإنسان و شمّ الذئب منه ريح الدّم فما أقلّ من ينجو منه [٤] ؛ و إن كان أشدّ الناس بدنا و قلبا، و أتمّهم سلاحا، و أثقفهم ثقافة.
و إذا دمي الببر استكلب فخافه كلّ شيء كان يسالمه من كبار السّباع كالأسود و النّمور، و الببر على خلاف جميع ما حكينا.
[١] ربيع الأبرار ٥/٤١٧، و انظر ما تقدم في ٦/٤٧١.
[٢] ديوان جرير ١٣ (الصاوي) ، ٦١١ (نعمان طه) ، و الجمهرة ٧١٨. و البيان ٣/٢٢٣.
[٣] الشحطة: أثر سحجة يصيب جنبا أو فخذا.
[٤] ربيع الأبرار ٥/٤١٧، و انظر ما تقدم في ٦/٤٧١.