الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٥ - ٢٠٤٩- ما قيل في تجاوب الأصداء و الديكة
بين الإنسان و الطير أنّ ذلك المعنى معنى يسمّى منطقا و كلاما على التشبيه بالنّاس، و على السبب الذي يجري، و النّاس ذلك لهم على كلّ حال.
و كذلك قال الشاعر الذي وصفها بالعقل، و إنما قال ذلك على التّشبيه، فليس للشاعر إطلاق هذا الكلام لها، و ليس لك أن تمنعها ذلك من كلّ جهة و في كلّ حال.
فافهم فهّمك اللّه، فإنّ اللّه قد أمرك بالتفكّر و الاعتبار، و بالتعرّف و الاتّعاظ.
و قد قال اللّه عزّ و جلّ مخبرا عن سليمان: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ عُلِّمْنََا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ [١] نجعل ذلك منطقا، و خصّ اللّه سليمان بأن فهّمه معاني ذلك المنطق، و أقامه فيه مقام الطّير؛ و كذلك لو قال علّمنا منطق البهائم و السّباع، لكان ذلك آية و علامة.
و قد علّم اللّه إسماعيل منطق العرب بعد أن كان ابن أربع عشرة سنة، فلما كان ذلك على غير التلقين و التأديب و الاعتياد و الترتيب و المنشأ، صار ذلك برهانا و دلالة و أعجوبة و آية.
و قال ابن عبّاس-و ذكر عمر بن الخطاب فقال-: «كان كالطائر الحذر» ؛ فشبّه عزم عمر و تخوّفه من الخطأ، و حذره من الخدع بالطائر.
٢٠٤٩-[ما قيل في تجاوب الأصداء و الديكة]
و قال ابن مقبل [٢] : [من البسيط]
فلا أقوم على المولى فأشتمه # و لا يخرّقه نابي و لا ظفري
و لا تهيّبني الموماة أركبها # إذا تجاوبت الأصداء بالسّحر
فجعلها تتجاوب. و قال الطرمّاح بن حكيم-و ذكر تجاوب الدّيكة كما ذكر ابن مقبل تجاوب الأصداء-فقال [٣] : [من الطويل]
فيا صبح كمّش غبّر اللّيل مصعدا # ببمّ و نبّه ذا العفاء الموشّح
إذا صاح لم يخذل و جاوب صوته # حماش الشّوى يصدحن من كلّ مصدح
[١] . ١٦/النمل: ٢٧.
[٢] ديوان ابن مقبل ٧٩، و الثاني في اللسان (هيب) ، و شرح شواهد المغني ٢/٩٧١، و المعاني الكبير ١٢٦٤، و مغني اللبيب ٢/٦٩٥، و بلا نسبة في اللسان و التاج (ألك) ، و الجمهرة ٤٩٦.
[٣] ديوان الطرماح ٩٧ (٩٤) ، و ربيع الأبرار ٥/٤٤٤، و تقدم البيتان مع تخريج أوفى في ٢/٣٨٤، الفقرة (٤٤٦) .