الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٢٩ - ٢١٨١- كلام الفيل و الذئب
و كثرة العلل، يجمعون كلهم على قبول هذه الآية و تصديق هذه السّورة، و كلهم مطبق على عداوة النبي صلى اللّه عليه و سلم، و الكفر به.
و المحلّون من العرب ممّن كان لا يرى للحرم و لا للشّهر الحرام حرمة: طيّئ كلها، و خثعم كلّها، و كثير من أحياء قضاعة و يشكر و الحارث بن كعب، و هؤلاء كلّهم أعداء في الدّين و النّسب. هذا مع ما كان في العرب من النّصارى الدين يخالفون دين مشركي العرب كلّ الخلاف، كتغلب، و شيبان، و عبد القيس، و قضاعة، و غسّان، و سليح، و العباد، و تنوخ، و عاملة، و لخم، و جذام، و كثير من بلحارث بن كعب، و هم خلطاء و أعداء، يغاورون و يسبون، و يسبى منهم، و فيهم الثّؤور [١] و الأوتار و الطوائل، و هي العرب و ألسنتها الحداد، و أشعارها التي إنما هي مياسم، و هممها البعيدة، و طلبها للطّوائل، و ذمّها لكلّ دقيق و جليل من الحسن و القبيح، في الأشعار و الأرجاز و الأسجاع، و المزدوج و المنثور، فهل سمعنا بأحد من جميع هؤلاء الذين ذكرنا أنكر شأن الفيل، أو عرض فيه بحرف واحد.
٢١٨١-[كلام الفيل و الذئب]
و رزين العروضيّ-و هو أبو زهير-لم أر قطّ أطيب منه احتجاجا، و لا أطيب عبارة قال في شعر له يهجو ولد عقبة بن جعفر، فكان في احتجاجه عليهم و تقريعه لهم أن قال [٢] : [من البسيط]
تهتم علينا بأن الذّئب كلّمكم # فقد لعمري أبوكم كلّم الذّئبا
فكيف لو كلم اللّيث الهصور إذا # تركتم الناس مأكولا و مشروبا
هذا السّنيديّ لا أصل و لا طرف # يكلّم الفيل تصعيدا و تصويبا
و لو كان ولد أهبان بن أوس ادّعوا أنّ أباهم كلم الذئب، كانوا مجانين و إنما ادّعوا أنّ الذئب كلّم أباهم، و أنّه ذكر ذلك للنبيّ صلى اللّه عليه و سلم و أنّه صدّقه.
و الفيل ليس يكلّم السنديّ، و لم يدّع ذلك السنديّ قطّ، و ربّما كان السّنديّ هو المكلّم له، و الفيل هو الفهم عنه. فذهب رزين العروضيّ من الغلط في كل مذهب.
[١] الثئر: جمع ثأر.
[٢] الأبيات لرزين العروضي في رسائل الجاحظ ٢/٥٣، و ثمار القلوب (٥٧٦) ، و كتاب الورقة ٣٥، و هي لوزير العروضي في الوزراء و الكتاب ٢٩٥، و لأبي سعيد المخزومي في ديوانه ٢٤-٢٥، و طبقات ابن المعتز ٢٩٥، و لدعبل في الوحشيات ٢١٤، و الأغاني ٢٠/١٣٨.