الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٢٨ - ٢١٨٠- الطعن في قصة الفيل
كَيْفَ خُلِقَتْ [١] ، و سمع بعض الجهال يقول: فكيف لو رأى الفيل؟فعذله قوم، فقال منكة: لا تعذلوه فإنّه لا شكّ أنّ خلق الفيل أعجب، فقيل له: فكيف لم يضرب به اللّه تعالى المثل دون البعير؟فقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام، فقلت له:
ليس الفيل بأعجب من البعير. و اجعله يعجّب من البعير. و هو إنما خاطب العرب، و هم الحجة على جميع أهل اللغات، ثم تصير تلك المخاطبة لجميع الأمم بعد الترجمة على ألسنة هؤلاء العرب، الذين بهم بدأت المخاطبة لجميع الأمم. و كيف يجوز أن يعجّب جماعة الأمم من شيء لم يروه قطّ، و لا كان على ظهرها يوم نزلت هذه السورة رجل واحد كان قد شهد الفيل و الحبشة. و على أنّ الفيل وافى مكّة و ما بها أحد إلاّ عبد المطلب في نفير من بقيّة النّاس، و لا كانوا حيث يتأمّلون الفيل.
و قد قال ناس: كان النّاس رجلين، رجل قد سمع بهذا الخبر من رجالات قريش الذين يجترّون إلى أنفسهم بذلك التّعظيم، كما كانت السّدنة تكذب للأوثان و الأصنام و الأنصاب، لتجترّ بذلك المنافع، و رجل لم يكن عنده علم بأنّ هذا الخبر باطل فلم يتقدّم على إنكار ذلك الخبر، و جميع قريش تثبّته.
قيل لهم: إنّ مكّة لم تزل دار خزاعة و بقايا جرهم و بقايا الأمم البائدة، و كانت كنانة منها النّسأة، و كانت مرّ بن أدّ من رهط صوفة و الرّبيط منها أصحاب المزدلفة، و إليهم كانت السّدانة، و كانت عدوان و أبو سيّارة عميلة بن أعزل، تدفع بالنّاس، و قد كان بين خزاعة و بقايا جرهم ما كان حتى انتزعوا البيت منهم، و قد كان بين ثقيف و قريش لقرب الدار و المصاهرة، و التّشابه في الثروة و المشاكلة في المجاورة تحاسد و تنافر، و قد كان هنالك فيهم المولى و الحلفاء و القطّان و النازلة، و من يحجّ في كلّ عام، و كان البيت مزورا على وجه الدهر، يأتونه رجالا و ركبانا و على كل ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق، و بشقّ الأنفس، كما قال اللّه تعالى: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [٢] ، و كانوا بقرب سوق عكاظ و ذي المجاز، و هما سوقان معروفان، و ما زالتا قائمين حتى جاء الإسلام، فلا يجوز أن يكون السّالب و المسلوب، و المفتخر به و المفتخر عليه، و الحاسد و المحسود، و المتديّن به و المنكر له، مع اختلاف الطبائع
[١] . ١٧/الغاشية: ٨٨، و في عمدة الحفاظ ١/٥٠ (أ ب ل) : «الإبل: هي النعم المعروفة، و عن المبرد: هي السحائب. و قال أبو عمرو بن العلاء: من قرأ «الإبل» بالتخفيف عنى به البعير، و من قرأ بالتثقيل عنى بها السحاب التي تحمل ماء المطر» .
[٢] . ٣٧/إبراهيم: ١٤.