الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٢٩ - الإمام الباقر
و خلاصة القول: إن علم الإمام الباقر و عظيم منزلته الدينية جعلا منه قائدا روحيا اتجهت إليه الأنظار و مالت إليه القلوب، فاحتل منها ذلك المكان السامي و المنزلة الرفيعة. و قد احتفظ لنا التاريخ بكثير من تراثه الفكري، فقد كان يفيض على سامعيه من الخواطر و الحكم متوجها بالنصح و الإرشاد لمجتمعه.
و قد كان (عليه السلام) يؤدب أصحابه بآداب الإسلام و يحثّهم على الطاعة و مكارم الأخلاق. فمن وصيته لجابر الجعفي: «و اعلم أنك لا تكون لنا وليا حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك و قالوا: إنك رجل سوء. لم يحزنك ذلك. و لو قالوا أنك رجل صالح. لم يسرّك ذلك. و لكن أعرض نفسك على كتاب اللّه، فإن كنت سالكا سبيله زاهدا في تزهيده راغبا في ترغيبه خائفا من تخويفه فاثبت و أبشر. فإنه لا يضرك ما قيل فيك» و قد مرّ ذكرها في الجزء الثاني.
و ينبه (عليه السلام) اتباعه إلى جوهر التشيع و معدن الولاء لأهل البيت كما في رواية جابر عن أبي عبيدة الحذّاء قال (عليه السلام): «تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا و طمعا. لعلك ترى أن القوم لم يكونوا ينامون؟» قال: قلت: اللّه و رسوله و ابن رسوله أعلم. قال: فقال: «لا بد لهذا البدن من أن تريحه حتى يخرج نفسه، فإذا خرج النفس استراح البدن و رجع الروح فيه قوة على العمل، فإنما ذكرهم تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا و طمعا أنزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) و أتباعه من شيعتنا، ينامون في أول الليل، فإذا ذهب ثلثا الليل أو ما شاء اللّه، فزعوا إلى ربهم راغبين مرهبين طامعين فيما عنده، فذكرهم اللّه في كتابه، فأخبرك اللّه بما أعطاهم أن أسكنهم في جواره، و أدخلهم في جنته، و آمن خوفهم، و أذهب رعبهم» قال قلت: جعلت فداك، إن أنا قمت في آخر الليل أي شيء أقول إذا قمت؟ قال:
«قل الحمد للّه رب العالمين، و الحمد للّه الذي يحيي الموتى و يبعث من في القبور.
فإنك إذا قلتها ذهب عنك رجز الشيطان و وسواسه إن شاء اللّه».
و يتحسّس ظروف الإرهاب الأموي و أصناف البلاء و ألوان الرعب التي خيّمت على قلوب محبي أهل البيت بعد سياسة معاوية و يزيد و بقية الأمويين فيقول: «إن اللّه يلقي في قلوب شيعتنا الرعب. فإذا قام قائمنا و ظهر مهديّنا كان الرجل منهم أجرأ من ليث و أمضى من سيف». و ذلك ليجعل أمر الحكام الظلمة غير دائم، و أن الإمامة نظامها سماوي مبشّر به من النبي الأعظم و يقول: الإيمان ثابت في القلب، و اليقين