الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٧٢ - مدرسة الإمام الصادق المنهج و التكوين
و لم يعرف لأحد غيره مثل هذه الشهرة. فقد كان تلاميذه من العراق و مصر و خراسان و حمص و الشام و حضرموت و غيرها.
و قد تصدّر الإمام الصادق حركة المجتمع بجدارة، و تزعم الحركة العلمية بتفرّد، فقد (نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، و انتشر صيته في جميع البلدان) [١]. و كان ينذر نفسه لهذه الأغراض، و يتّجه إلى الناس قائلا: «سلوني قبل أن تفقدوني، فإنه لا يحدّثكم أحد بعدي بمثل حديثي» [٢]. و لذلك: (روى حديثه خلق لا يحصون) [٣]. و انتشر فقهه في الآفاق، و إذا استعصى الحصر و صعب العدّ لتحديد كل من روى عنه (عليه السلام) فإن الأربعة آلاف كانوا المتميزين، و إلا فإن الصورة التي لا تقبل المماراة هي شيوع ذكره بين سائر الناس و علوّ مكانته في نفوس المسلمين على مختلف أصنافهم و أجناسهم. و على ذلك فلا يستغرب أن يعجز الكثير عن إحصاء كل من نقل عنه أو روى حديثه (عليه السلام).
ثم حلقات فقهه من أصحابه و تلامذته المقرّبين و عددهم أربعمائة ممن نبهوا في العلوم و عرفوا بالفقه، و هم رجال مدرسته و هيئتها العلمية الذين اختصوا بفقه الإمام الصادق، و كانوا من العدالة و الثقة بمكان لا ترقى إليه سهام الحقد و الحسد، و قد ألّفوا في فقه الإمام جعفر الصادق و الرواية عنه أربعمائة كتاب، و هي الأصول الفقهية للمذهب الجعفري [٤].
و قد تحرّى الإمام الصادق كفاءة الأصحاب و قدرات المتعلّقين به، و وجّه كلا إلى حيث العمل الذي يتّفق و مواهبه و ينسجم مع استعداده، فكان البعض منهم مختصا بتنفيذ التعاليم التي تتعلق بواقع الأسر و الأفراد، أو تتصل بالظواهر الاجتماعية و العلاقات. و قد مرّ بنا طرف من هذه المهمات التي توكل إليهم في الفصل السابق و الأجزاء السابقة من الكتاب.
أما الناحية الفكرية- التي تمثل منهج مدرسته- فقد عيّن الإمام الصادق من بين
[١] الصواعق المحرقة لابن حجر ص ١٢٠.
[٢] تذكرة الحفاظ للذهبي ج ١ ص ١٥٧.
[٣] خلاصة تذهيب الكمال للخزرجي ص ٥٤.
[٤] انظر التراجم و البحوث الخاصة بهم في الجزء الثالث و الرابع.