الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٦٣ - أضواء من سيرته
و بهذه السيرة و التعاليم يقيم الإمام الصادق واقعا محسوسا و معاشا من الألفة و التعاون و التكافل، و في كل جانب من حياته اليومية (عليه السلام) عليه سيماء الدين و صفة الفقه و الدعوة الإسلامية، فلا غرو أن نجده مهوى أفئدة محبي الحكمة، و مقصد طلاب العلم، كما نجده ملجأ المحتاجين، فهو (عليه السلام) لا يكتفي بتهيئة أصحابه و محبيه لأداء ما أمر به الإسلام من حقوق للفقراء، بل يجعل من بيته أيضا المقام الأول الذي تجري فيه تطبيقات أحكام الإسلام و تعاليمه.
جاء إليه (عليه السلام) رجل فقال له: يا أبا عبد اللّه، قرض إلى ميسرة. فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إلى غلّة تدرك؟» فقال الرجل: لا و اللّه. قال: «فإلى تجارة تؤوب؟» قال: لا و اللّه. قال: «فإلى عقدة تباع؟» فقال: لا و اللّه. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «فأنت ممن جعل اللّه له في أموالنا حقا». ثم دعا بكيس فيه دراهم، فأدخل يده فيه، فناوله منه قبضة.
و يدعو (عليه السلام) إلى أن يسعى المؤمن في حاجة أخيه، و يظهر شديد اهتمامه في التكاتف و التكافل الذي دعا إليه الإسلام، و يبيّن جزاء ذلك عند اللّه ليصبح عمل المسلم في إطار مجتمعه عملا دينيا و له الصفة الشرعية. فمن أقواله (عليه السلام): «قضاء حاجة المؤمن خير من عتق ألف رقبة، و خير من حملان ألف فرس في سبيل اللّه».
و كذلك قوله (عليه السلام): «لقضاء حاجة امرئ مؤمن أفضل من ألف حجة متقبلة بمناسكها، و عتق ألف رقبة».
و من المعلوم أن الإمام الصادق في حضّه على إقامة العلاقات بين المسلمين على مثل هذه الصورة من التعاون و المساعدة، يعالج في أعماله و أقواله تلك الظاهرة التي أشرنا إليها سابقا من الانصراف إلى الأعمال العبادية، أو الانقطاع عن طلب الرزق تحت تأثير فهم محدود، أو حالة خاصة، و التي تشمل أيضا أداء المناسك و الأعمال الخيرية بقصد التظاهر و تمدّح الناس و السمعة. و هنا محك هام يضعه الإمام (عليه السلام) لتوجيه المجتمع إلى الرفاه و التآلف.
و نرى الإمام الصادق يزيد في القول من ذكر المعروف و فضله ليحبب إلى الناس فعل الخير و يشيعه بينهم، و هو يبدأ بالدعوة إلى المعروف بدون تقييده، فيقول (عليه السلام) داعيا أصحابه: «اصنع المعروف إلى كل أحد، فإن كان أهله و إلا فأنت أهله».
ثم يتّجه في دعوته إلى عمل المعروف بين المؤمنين فيقول: «أيما مؤمن أوصل إلى أخيه المؤمن معروفا، فقد أوصل ذلك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)».