الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٣ - تقديم
تمكينا لهم مما يحبون من الفساد و الإفساد. فاتفاق كلمة علماء الأمة و اجتماعها على أن الحق كذا بدليل كذا ملزم للحاكم باتباعهم فيه، لأن الخواص إذا اتحدوا اتبعهم العوام، و هذه هي الوسيلة الوحيدة لمنع استبداد الحكام، فالدّين يأمر برفع الشقاق و التنازع و بالاعتصام بحبل الوحدة، و هذا معنى قوله تعالى: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا و قوله تعالى: وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا و قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «و لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض».
ثم يقول المرحوم الشيخ محمد عبده: و قد خالفنا كل هذه النصوص، فتفرقنا و تنازعنا، و حارب بعضنا بعضا باسم الدين، لأننا سلكنا مذاهب متفرقة، كل فريق يتعصب لمذهبه، و يعادي سائر إخوانه المسلمين لأجله، زاعما أنه بهذا ينصر الدين، و ليس في ذلك إلا خذلانه بتفريق كلمة المسلمين، هذا سنّي يقاتل شيعيا، و هذا شافعي يغري التتار بحنفي، و هذا حنفي يقيس الشافعية على الذمية» [١].
و يقول السيد رشيد رضا: «حتى أن من اتباعهم (أي أئمة المذاهب) من قدّمهم على الأنبياء عند تعارض كلامهم مع الحديث الصحيح، فإنهم يردّون كلام النبي المعصوم- مع اعتقاد صحة سنده- بقول نقل عن إمامهم، و يتعللون باحتمالات ضعيفة» [٢].
و لا أملك أن أستطرد دون أن أشير إلى أن هذا القول هو تعبير عن واقع يأتي مصحوبا بخروج عنه، و ميل إلى ما استنكر فيه، إذ أن السيد رشيد رضا شهد فترة نضج جهود المصلحين المحدّثين، و تبلور أفكار الوعي، غير أنه أسهم هنا و هناك فيما يخالف اتجاه التحرر من التعصب و نهج التحقق و البحث اللذين اتسم بهما فكر الفترة الدينية التي يتصدرها المرحومان السيد جمال الدين الأفغاني و تلميذه الشيخ محمد عبده، و الذي تلاقح و تمازج مع تيارات الوعي و دعوات الوحدة الإسلامية.
و هناك صور من حالات الانقسام و الشقاق ذكرها ابن قدامة: «ففي طرابلس الغرب، ذهب بعضهم إلى المفتي و قال له: اقسم المساجد بيننا و بين الحنفية، لأن فلانا من فقهائهم يعبر عنا كأهل الذمة، بما أذاع في هذه الأيام من اختلاف الأحناف
[١] ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين ص ٦٥- ٦٦.
[٢] انظر مقدمة المغني لابن قدامة.