الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٩ - ٢- خلق القرآن
كما كان الطرف الآخر يعتمد على الاستشارة و الاستفزاز، ليستفيد من نتائجهما في الإبقاء على ممسك الجمهور و محافظتهم على الأوضاع التي ألفوها و عاشوها، و لمّا اجتاز أحمد بن حنبل الأزمة صبّ جام غضبه على أصل القضية، فأباح لنفسه الفتوى و القول بكفر من يقول بخلق القرآن. و قد مرّ بنا ذلك و أشرنا إلى ما جاء عنه في كفر من يقول بخلق القرآن، إذ سئل عن رجل وجب عليه تحرير رقبة مؤمنة و كان عنده مملوك يقول بخلق القرآن؟ فقال: لا يجزي، لأن اللّه تبارك و تعالى أمر بتحرير رقبة مؤمنة.
و لم يكن أحمد بن حنبل أو الجمهور في حال يجاهرون بها بالخروج على رأي الحاكم أيام المعتصم، إذ يروى أن أحمد أمسك في عهد المعتصم حتى عن رواية الحديث الذي هو عماد مكانته و مقوم شخصيته، فهو الحافظ الذي ينبسط في الرواية و يتقيد بها حتى قيل: إنه أقرب إلى الحديث منه إلى الفقه. و لا ننسى أن هذه الفترة شهدت غياب الإمام الرضا، و كون ابنه الإمام محمد الجواد ما زال في مقتبل العمر، و تتضافر الروايات على ما بلغه في العلم و الحكمة و الأدب و كمال العقل، حتى أن المأمون أراد أن يوجد للصبغة التي أرادها لحكمه دلالة جديدة، فزوّجه ابنته أم الفضل، و اتجه إلى المدينة، و ابتعاده عن العراق أمر له مغزى كبير، اختيارا منه و عملا بنهج أبيه، و كيف حمل ولاية العهد اسما، و لم تنجح وسائل المأمون مع الإمام الرضا في زجّه في شئون السلطان، و إذا كان أهل البيت قد عملوا على تهذيب النفوس بتعاليم الإسلام و ترسيخ الأحكام في المجتمع بتربية النشأ و إرشاد الناس، فقد كان الرضا (عليه السلام) يقول: «إنما يؤمر بالمعروف و ينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ، فأما صاحب سيف و سوط فلا». و كان قوله المشهور للمأمون: «ما التقت فئتان قط إلا نضر اللّه أعظمهما عفوا». فعاد الإمام الجواد إلى مهبط الوحي و مهد النبوة، و سعى (عليه السلام) إلى توجيه الناس و بث العلم و نشر الأحكام، و كانت الوفود تأتيه من الأقطار النائية لأنه وارث علم أهل البيت عن أبيه الرضا (عليه السلام) غير أن المعتصم أعاده إلى بغداد و انتهى شهيدا مسموما على يد بني العباس.
فكأن الناظر إلى أعمال بني العباس في هذه الفترة يجد تقربا و رعاية إلى آل علي، في حين أن حقيقة ما يعيشونه مكابدة رهيبة تنتهي بهم إلى الموت. كما أن العلويين استمروا في مناهضتهم للسلطة، و لم تنطل عليهم خدع الحكام و تكريم