الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٧١ - عصر مالك و علمه
كره ما يقول فيه قوم أنه إذا رأى الرجل عرفه، ثم التفت إلي فقال: يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد اللّه من مسائلك. فجعلت ألقي عليه، فيجيبني فيقول: «أنتم تقولون كذا، و أهل المدينة يقولون كذا، و نحن نقول كذا» فربما تابعنا، و ربما تابعهم، و ربما خالفنا جميعا، حتى أتيت على الأربعين مسألة، ما أخل منها بمسألة. ثم قال أبو حنيفة: ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس ... ا ه [١].
و مما علم من منهج الإمام الصادق و منطق قوله، فإن تفسير الكتاب عنده ليس بالأخذ من الغير، و الحديث هو بإسناد آبائه الطيبين. فمن المؤكد هنا أن المسائل التي كانت عدة السلطان أبي جعفر و سلاحه في مواجهة الإمام الصادق كان يعرضها الإمام الصادق على مصادره و أصوله و يناقشها، فما وافق منها حسبه أبو حنيفة متابعة، و ليس الأمر كذلك. لأن الإمام الصادق في علمه لا يتّبع إلّا القرآن و سنّة النبي و الأئمة من أهل بيته، أما المخالفة فأمرها معروف.
و كما رأينا فإن مالكا كان من طلاب مدرسة الإمام الصادق و من تلاميذه، قال مالك عن صلته بالإمام الصادق: (جعفر بن محمد اختلفت إليه زمانا، فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال: إما مصلّ، و أما صائم، و إما يقرأ القرآن) [٢].
و قوله: (ما رأت عين، و لا سمعت أذن، و لا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علما و عبادة و ورعا) [٣] و قال مالك: (لقد كنت أرى جعفر بن محمد و كان كثير الدعابة [٤] و التبسّم، فإذا ذكر عنده النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) اصفرّ، و ما رأيته يحدّث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلا على طهارة، و لقد اختلفت إليه زمانا، فما كنت
[١] المناقب للموفق المكي ج ١ ص ١٧٣. و سير أعلام النبلاء ج ٦ ص ٢٥٦.
[٢] تهذيب التهذيب ج ٢ ص ١٠٤.
[٣] المجالس السنية للعاملي ج ٥. و التوسل و الوسيلة لابن تيمية ص ٥٢.
[٤] تروى عند بعض المالكية «كثير المزاح» و لا نستغرب الوصف بالمزاح أو الدعابة، لأن عمر بن الخطاب وصف بها الإمام علي، و كان قوله موضع نظر ورد، إلا أن يبتدع بها اصطلاحا و يحدث بها مسمى جديد فيكون معناها التقوى و شدة الالتزام بالدين، أو حسن الخلق و المعاشرة، فإن كان القصد ظاهر معناها، فهي من الفلتات، و لا يحمل عليهما إلا قصد الإساءة و النيل، و دون ذلك عصمة اللّه و رعايته من دين راسخ و علم وافر و منزلة سامية و خصائص عالية هي الغاية في الكمال و النهاية في الرفعة.