الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٦٩ - عصر مالك و علمه
يروي حفص بن عبد اللّه قال: كنّا عند مالك، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد اللّه الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى كيف استوى؟ فقال: الكيف غير معقول، و الاستواء غير مجهول، و الإيمان به واجب، و السؤال عنه بدعة. و أظنك صاحب بدعة.
و أمر به، فأخرج.
و الجواب بلا أدري أهون بكثير حتى و إن بات قاعدة يورثها مجلسه، فلا عيب في ذلك، لأن السائل يتحرى عند غيره الإجابة، و هو المعروف عن مالك أيضا، فعن الهيثم بن جميل قال: شهدت مالكا سئل عن ثمان و أربعين مسألة، فقال في اثنين و ثلاثين منها: لا أدري. و غالبا ما يلجأ إلى (لا أدري) فعن ابن وهب أنه قال: لو شئت أن أملأ ألواحا من قول مالك (لا أدري) فعلت [١] و من علماء المالكية من يتعجب من قول لا أدري [٢].
إن عصر مالك كان من أكثر العصور ازدهارا، و قد أصبحت المدينة موطنا للعلم و موئلا لطلابه من مختلف الأقطار الإسلامية، و امتازت بالتمسّك بالحديث في مقابلة العراقيين و امتيازهم بالرأي و القياس، و عظم العداء بين البلدين، و أدى إلى اتهامات و خصومات ابتعدت كثيرا عن العلم.
كان أبو سعيد الرأي يماري أهل الكوفة، و يفضّل أهل المدينة، فجاءه رجل من أهل الكوفة و اسمه شرشيرا و قالوا كلب في جهنم يسمى شرشيرا فقال:
عندي مسائل لا شرشير يعرفها* * * إن سيل عنها و لا أصحاب شرشير
و ليس يعلم هذا الدين يعلمه* * * إلا حنيفية كوفية الزور
لا تسألن مدينيا فتكفره* * * إلا عن البم و المثنى و الزير
فكتب أبو سعيد إلى أهل المدينة: إنكم قد هجيتم، فردّوا. فردّ عليه رجل من أهل المدينة يقول:
لقد عجبت لغا و ساقه قدر* * * و كل أمر إذا ما جمّ مقدور
قالوا المدينة أرض لا يكون بها* * * إلا الغناء و إلّا البم و الزير
لقد كذبت لعمر اللّه إن بنا* * * قبر النبي و خير الناس مقبور
[٣]
[١] المناقب للسيوطي ص ١٢ و ص ١٦. و حلية الأولياء ج ٦ ص ٣٢٣.
[٢] انظر المجلد الأول/ الجزء الثاني من هذا الكتاب.
[٣] العقد الفريد ج ٣ ص ٤٠٨.