الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٦ - ٢- خلق القرآن
تصرفا إداريا لا يختلف بشيء عن بقية إرادات الحكام، و لكنه تضمّن أفكار المعتزلة و آراءها، مما أساء إلى أهدافهم الأخرى التي تتصل بالعقل و حرية الفكر.
أما تنزيه اللّه سبحانه و تعالى عن الصفات التي يتصف بها المخلوقون، فالقرآن عندهم مخلوق و ليس بقديم، فاللّه وحده قديم، و ما ورد في القرآن هو كلام اللّه، و لكن عندهم أن الكلام لا يمكن أن يكون صفة للّه تعالى هي ذاته كالعلم و القدرة، و أنكروا أن تكون الصفات أشياء و ذواتا قديمة قائمة وراء الذات، لأن هذا يؤدي إلى تعدد القدماء، لذا فإن الذات و الصفات شيء واحد. و يردّ الفلاسفة أن ذلك بعيد من المعارف، بل يظن أنه مضادّ لها، و ذلك أن العلم يجب أن يكون غير العالم، و إنه ليس يجوز أن يكون العلم هو العالم إلا إذا جاز أن يكون أحد المتضايفين قرينة مثل أن يكون الأب و الابن معنى واحدا بعينه [١] بالنسبة لعقيدة الثالوث.
و أدت السياسة إلى أن يكون ذلك مثار فتنة شملت أيام المأمون و المعتصم و الواثق، و حصلت من ورائها فرقة و تباعد، و وصل الأمر إلى أن من يذهب إلى قدم القرآن يكفّر من يقول بأنه مخلوق، و ذلك في عهد المتوكل، حيث ارتد عن تلك السياسة إلى منحى آخر، بعد أن كان بعض القضاة يسأل الشاهد عن هذه القضية، فإن أقر بأنه مخلوق قبلت شهادته و إلا ردّها [٢].
ثم أفتى- بعضهم و بتأثير السلطة- بوجوب قتل من يقول بخلق القرآن، و بديهي أن هذا المفتي لم يستند بفتواه إلى دليل عقلي أو نقلي، بل كان مستندا إلى أمر تافه، و ذلك أنه عند ما سئل عن دليل هذه الفتوى أجاب: أن رجلا رأى من منامه إبليس قد اجتاز بباب المدينة و لم يدخلها، فقيل لم لم تدخلها؟ قال إبليس: أغناني عن دخولها رجل يقول بخلق القرآن [٣].
و نظير هذا ما حدثنا به التاريخ عن المهدي العباسي عند ما دخل عليه شريك بن عبد اللّه القاضي، فلما رآه المهدي، قال: عليّ بالسيف و النطع. قال شريك: و لم يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي، و أنت معرض عني، و قصصت رؤياي على من عبّرها فقال: إنه يظهر لك طاعة، و يضمر لك معصية ما.
[١] ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة ص ٨٤- ٨٥.
[٢] الكندي، كتاب القضاة ص ٤٤٧.
[٣] الاعتصام للشاطبي ج ١ ص ٢٦٢.