الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٥ - ٢- خلق القرآن
و الذكر هو القرآن بدلالة قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ و قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. و قد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «القرآن محدث غير مخلوق و غير أزلي مع اللّه سبحانه». كما ورد عن غيره من أئمة الهدى النهي عن جعل اسم آخر للقرآن غير ما ورد عن اللّه.
لقد وصف الشيعة القرآن بما وصفه اللّه تعالى، فقالوا عربي لقوله تعالى:
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ و العربية محدثة. و منعوا وصفه بأنه مخلوق، لأنه يوهم بأنه مكذوب أو مضاف إلى غير قائله، لأنه كالمعتاد من هذه اللفظة، قال اللّه تعالى: إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ و: إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ. و قال تعالى: وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً فنرى أن وصف الكلام بالخلق يأتي إذا أريد به الكذب أو الانتحال، كما يقولون هذه قصيدة مخلوقة و مختلقة، إذا كانت منتحلة مضافة إلى غير قائلها [١].
أما الأشعرية فيقولون إن الصفات التي أنيطت بها الأقوال و ابتنيت عليها المسألة هي صفات معنوية، و هي صفات زائدة على ذاته، و بيان وجوب المشكلة يقتضي التفصيل، و نحن نقصد هنا الإشارة و ذكر إحدى القضايا التي نجم عنها أضرار و فرقة استمرت قرونا عديدة بآثارها، و توارثها حتى اليوم خلق عن أسلاف أورثوهم التعصب، و راحوا يستهزءون بما منّ اللّه عليهم من عقل و إدراك، و يؤثرون الجمود و التوقف عن النمو.
و القصد فإن المأمون أظهر من ألوان الاعتماد على المعتزلة و تقريبهم، ما جعلهم أعلى الناس مكانة و أوفرهم حظا، و خضعت مجالس المناظرات و النقاش لأهواء الحاكم، فكان مدارها المواضيع التي يرغب بها المأمون. و لا جدال في تبني المأمون لفكر المعتزلة، لكن نزعات الحاكم أو السلطان قد تغلبت على شخصية التلميذ أو ميول المتعلم، بل جعلها مادة للسياسة.
و المؤسف المؤلم أن توضع عناصر الغنى الفكري و مناهج البحث في خدمة أغراض السلطان، و تصبح من أسباب التدهور، و من وسائل الحاكمين و المتنفذين، فتؤدي إلى نتائج و عواقب لا تليق بالفكر الحر و العقل النير. و مع ما اتصف به المأمون من إلمام و دراية، فإن كتابه السلطاني الذي أصدره سنة ٢١٨ ه كان في حقيقة أمره
[١] أيضا نفس المصدر.