الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٣٥ - الإمام الباقر
التي تقوم على الإيمان بالعقيدة في مواجهة كيان الملك و السلطان الزمني الذي يتلبّس بالدين، و يدّعي الولاية معتمدا على زبانية الجور و لعقة الصحون ممن يتزيّون بزي الفقه و لباس العلم، و لهذا كان الإمام الصادق ينبه على أولئك الذين يرتضون لأنفسهم أن يكونوا بالمحل الذي نبّه عليه جدّه الإمام السجاد في رسالته إلى الزهري و هو في ظل الأمويين.
يذكر هشام بن عباد أنه سمع الإمام الصادق يقول: «الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتهموهم» [١]. و قد يحسب الذهبي نفسه قد أتى بشيء بقوله: مناقب جعفر كثيرة، و كان يصلح للخلافة لسؤدده و فضله و علمه و شرفه.
فذلك ما عليه النص، و ما تواترت به الروايات، إلا أنها الخلافة الكبرى في الدين، و ليست خلافة الملك و القوة، تلك الخلافة التي فيها دوام الرسالة و بقاء الدعوة، و لها هيئاتها و رجالها من أهل العلم و الفقه الذين يعظم أمر انحرافهم على الأئمة، و ركونهم إلى الطغاة، لأن سلطان الدين لسعادة البشرية و رعاية مصالح الأمة و دفع الضرر عنها، فحرص الأئمة (عليهم السلام) على إبعاد شئون الدين من علم وفقه و حديث و سائر وجوه الكيان الروحي للإسلام عن السلطان القائم على القهر و انتهاك الحرمات.
إنه (عليه السلام) أدار إمامته على قواعد الإصلاح و الإرشاد و إقامة مجتمع ديني مستقل بروحيته عن مبادئ السياسية و قيم الملك الدنيوي، لا يتصل بالسلطان الزمني إلا بقدر الضرورة أو تحت تأثيراتها. و أراد أن يكون القضاء بحكم اللّه بين شيعته و مريديه، و ينأى عن دواوين الحكّام و عمّال الملوك الذين يندر فيهم وجود من يلتزم الحق و لا يغلّب مصلحته الشخصية على مصالح الناس. فراح يقول (عليه السلام)- كما مر بنا قبل قليل-: «من تحاكم إليهم في حق أو باطل، فإنما تحاكم إلى الجبت و الطاغوت المنهي عنه، و من أمر اللّه أن يكفر به».
و جعل (عليه السلام) من المتخاصمين من كان قد روى حديث أهل البيت و نظر في حلالهم و حرامهم و عرف أحكامهم هو الحكم و قال: «فليرضيا به حكما، فإني قد جعلته عليهم حاكما» و أن الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما، و أصدقهما في الحديث و أورعهما، فإن لم يتيسر للمتخاصمين، و هما على صفة الولاء للإمام و التعلّق
[١] الذهبي: تاريخ الإسلام ج ٦ ص ٤٨.