الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣١٨ - الإمام زين العابدين
أو أن كل من استبقاه من الصحابة و التابعين على أنه عبد قن ليزيد، إلا الإمام علي زين العابدين [١] و قد أورد ابن أبي الحديد ما ينافي الحقيقة، و يبدو أنها من جملة ما حواه و جمعه بدون تحقق و تدبر، فكانت بقية روايته للحادث نقلا عنه كتبة السلطان و مؤرخي الدولة الذين لا تهمّهم الحقائق، و لا يهتمون بالنظر إلى الحادثة في إطار الواقع.
و أقرب الروايات و أصدقها تروي أن الإمام زين العابدين قد لاذ بقبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو يدعو. فأتي به إلى مسرف- و هو مغتاظ عليه- فتبرأ منه و من آبائه، فلما رآه و قد أشرف عليه ارتعد، و قام له، و أقعده إلى جانبه و قال له: «سلني حوائجك». فلم يسأله في أحد ممن قدّم إلى السيف إلا شفعه فيه، ثم انصرف عنه. فقيل لعلي: رأيناك تحرك شفيتك، فما الذي قلت؟ قال: «قلت: اللهم ربّ السموات السبع و ما أظللن، و الأرضين السبع و ما أقللن، ربّ العرش العظيم، ربّ محمد و آله الطاهرين، أعوذ بك من شرّه، و أدرأ بك في نحره، أسألك أن تواتيني خيره، و تكفيني شره». و قيل لمسلم: رأيناك تسبّ هذا الغلام و سلفه، فلما أتي به إليك رفعت منزلته؟ فقال: ما كان ذلك لرأي مني، لقد ملئ قلبي منه رعبا [٢].
و قد حرسته عين اللّه و رعته، و جعلت لهيبة الإمامة في شخصه سلطة أقوى من سلطة الحكام. فهذا هشام بن إسماعيل المخزومي والي المدينة في عهد عبد الملك كان يؤذي الإمام زين العابدين و يشتم عليا على المنبر و ينال منه، فلما ولي الوليد بن عبد الملك عزله و أمر به أن يوقف للناس. قال هشام: و اللّه ما أخاف إلا من علي بن الحسين إنه رجل صالح يسمع قوله، فأوصى علي بن الحسن أصحابه و مواليه و خاصته أن لا يتعرّضوا لهشام، ثم مرّ علي في حاجته فما عرض له، فناداه هشام و هو واقف للناس: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [٣].
و ردّد هذه الآية أيضا الزهري لمّا قارف ذنبا.
قال له الإمام زين العابدين: «يا زهري قنوطك من رحمة اللّه التي وسعت كل
[١] شرح نهج البلاغة ج ١ ص ٣٠٦.
[٢] مروج الذهب ج ٣ ص ٧٩ و ٨٠.
[٣] الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٥ ص ٢١٩. و تذكرة سبط ابن الجوزي ص ٣٣٨.