الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٥٦ - أضواء من سيرته
عن خالد بن نجيح قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أقرءوا من لقيتم من أصحابكم السّلام، و قولوا لهم: إن فلان بن فلان يقرئكم السّلام. و قولوا لهم: عليكم بتقوى اللّه عز و جل، و ما ينال به ما عند اللّه، إني و اللّه ما آمركم إلا بما نأمر به أنفسنا، فعليكم بالجد و الاجتهاد، و إذا صلّيتم الصبح و انصرفتم، فبكّروا في طلب الرزق، و اطلبوا الحلال فإن اللّه عزّ و جل سيرزقكم و يعينكم عليه».
كان في سيرته و سلوكه يمثل جوانب سامية من التواضع و البساطة مع عظمته و علو شأنه، و كان يعامل الناس بالعطف و التسامح. كل ذلك كان له تأثير في نفوس تلامذته و مريديه، و قد وقف أمام التيارات السياسية يوم اجتاحت البلاد ثورة من جميع جوانبها، و قد دعاه القادة- كما أسلفنا- إلى تولّي الأمر و إسناد الحكم إليه، كما أن أبا مسلم الخراساني كتب له يدعوه بأن يدعو الناس إلى بيعته، و ينتزع الأمر من بني العباس. فأجابه بقوله: «ما أنت من رجالي، و لا الزمان زماني».
و قبل ذلك رجعت رسل أبي سلمة الخلّال بالخيبة عند ما وجّههم بكتاب الدعوة إلى الإمام الصادق بأن يكون الأمر له دون بني العباس. فكان جوابه أن أحرق الكتاب أمام الرسل، لأنه كان يقدّر أبعاد المعركة، و ينظر العواقب، و يحاول أن يؤثر في انفعالات الناس، و يقلل من اندفاعهم على طريق تؤدي نهايتها إلى تعريض المسلمين إلى الأخطار و دفع الأبرياء إلى الموت. و ذلك لأن الظروف غير مواتية، رغم ظاهر مناسبتها و ملائمتها. و سنبحث موضوع موقفه من الثورة مفصلا في فصل لاحق.
و الغرض، فإن وجوده في منصب الإمامة و تبوءه موقع القيادة و الإصلاح يجعله أقرب الأطراف إلى حدّ السيوف، و أدناهم إلى شبا الرماح، و هو من أهل البيت الذين ابتلوا بمصالح الرعية، و جعل فيهم دوام الرسالة المحمدية. فمن خصوص أعمالهم مناهضة الظلم، و من صميم دعوتهم رعاية أمور المسلمين، و هم مكلفون بما كتب عليهم و قدّر لهم من وجوه المسئولية و الأفعال.
فكان (عليه السلام) يعمل بوحي ذلك، فلا يرى في ضوء ما يحمله من الأخبار و العلم أن طريق الخلاص في التعرّض إلى السلطان، بل في الابتعاد عن مواطن الأذى و موارد الهلكة، و الوقوف بوجه الظلم و الجبارين بوسائل يضمن نفعها، و يؤمن سلامة الناس فيها.