الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٥٣ - أضواء من سيرته
و عن المعلى بن خنيس [١] قال: خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) في ليلة قد رشت- أمطرت- و هو يريد ظلة بني ساعدة، فاتبعته، فإذا هو قد سقط منه شيء فقال:
«بسم اللّه اللهم ردّه علينا». قال: فأتيته فسلّمت عليه.
قال: فقال: «معلى»: قلت: نعم جعلت فداك. فقال لي: «التمس بيدك فما وجدت من شيء فادفعه إلي» فإذا أنا بخبز منتشر كثير، فجعلت أدفع إليه ما وجدت، فإذا أنا بجراب أعجز عن حمله. فقلت: جعلت فداك، أحمله على رأسي؟ فقال:
«لا، أنا أولى به منك، و لكن امض معي» قال: فأتينا ظلة بني ساعدة، فإذا نحن بقوم نيام، فجعل يدسّ الرغيف و الرغيفين حتى أتى على آخرهم، ثم انصرفنا. فقلت:
جعلت فداك يعرف هؤلاء الحق؟ فقال: «لو عرفوه لواسيناهم بالدقة- و الدقة هي الملح- إن اللّه تبارك و تعالى لم يخلق شيئا إلا و له خازن يخزنه، إلا الصدقة، فإنّ الرب يليها بنفسه، و كان أبي إذا تصدق بشيء وضعه في يد السائل، ثم ارتدّه منه، فقبّله و شمّه ثم ردّه في يد السائل» [٢].
و إزاء ظاهرة ابتعاد كثيرين عن العمل، و انزوائهم في بيوتهم منقطعين للعبادة مع تفاقم أزمة العيش، كان (عليه السلام) يفضّل العامل على ذلك الفرد المنزوي و المنقطع إلى العبادة. فعند ما قيل له: أن رجلا قال لأقعدنّ في بيتي، و لأصلينّ و لأصومنّ و لأعبدنّ اللّه، فأما رزقي فسيأتيني.
فقال (عليه السلام): «هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجيب اللّه دعاءهم».
فالإمام رغم معرفته بأهمية العبادة، إلا أنها لا تجوز إلا في موقعها في حياة الفرد المؤمن، بحيث تكون صلة المؤمن بربّه و هويته و سلوكه. و هوية المؤمن العزّة، و سلوكه العطاء و العمل.
يقول إسماعيل بن جابر [٣] أتيت أبا عبد اللّه، و إذا هو في حائط (بستان) له، و بيده مسحاة، و هو يفتح بها الماء.
[١] مولى الإمام الصادق قتله داود بن علي العباسي- والي المدينة- فغصب الإمام الصادق، و دعا على الوالي، فسمعت الصيحة في داره. انظر الجزء الثاني من الكتاب.
[٢] فروع الكافي ج ٤ ص ٨ و ٩.
[٣] ذكره الشيخ في الفهرست، و قال: له كتاب ذكر سنده.