الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٠٤ - الحنابلة في ظل المتوكل
الدماء، لأن العباسيين شأنهم شأن من سبقهم من الظلمة لا يتورّعون عن سفك دماء آل البيت بسبب أو بدون سبب. و مع شدّة حذره (عليه السلام) تعرّض إلى القتل على يد المنصور تسع مرات، غير أنه (عليه السلام) وضع قواعد الدعوة الصامتة، و خاطب أصحابه بأن يكونوا دعاة صامتين لآل البيت، ثم رسم للعلماء و المتكلمين من أصحابه الأدوار، و حدد المسئوليات كما مر بنا في هذا الجزء من الكتاب و الأجزاء السابقة.
لم يؤثّر تردّد أحمد بن حنبل، فقد كان سلوكا لا يجاوز الأسرة، يجري كشأن عائلي بحت مناطه المال. أما آراء أحمد السابقة فهي شائعة عن مريديه و معروفة لالتماع شخصه و اشتهار اسمه في المحنة، و المتوكل يعمل على إلباس عهده صفة الحنبلية، و أحمد يتعاون مع هذا الاتجاه، و يستجيب برغم نفوره من المخالطة؛ إلا أنه كان له الرأي في الأمور المذهبية، و كان المتوكل يستشيره في التعيين للقضاء، و يأخذ برأي أحمد كما حدث عند ما بعث المتوكل إلى أحمد يستشيره في تولية محمد بن شجاع الثلجي من فقهاء الحنفية. فقال: لا، و لا على حارس. و رأي أحمد فيه: إنه مبتدع صاحب هوى [١] و أنفذ إليه المتوكل بصاحب لم يعلمه- و نورد القصة بسياقها و هي جديرة بالبحث و التعليق-: أن له جارية بها صرع، و سأله أن يدعو اللّه لها بالعافية. فأخرج له أحمد نعل خشب بشراك خوص للوضوء، فدفعه إلى صاحب له، و قال له: تمضي إلى دار أمير المؤمنين، و تجلس عند رأس الجارية، و تقول له: يقول لك أحمد أيما أحب إليك، تخرج من هذه الجارية أو أصفع الآخر بهذه النعل؟ فمضى إليه، و قال له مثل ما قال أحمد، فقال المارد على لسان الجارية: السمع و الطاعة، لو أمرنا أحمد أن لا نقيم في العراق ما أقمنا به، إنه أطاع اللّه، و من أطاع اللّه أطاعه كل شيء. و خرج من الجارية، و هدأت و زوّجت و رزقت أولادا [٢].
و على عهد أحمد بزغ نجم الحنابلة، و طلع فجر ليلهم الدامس بفضل انتصار المتوكل للإمام أحمد. و يحلو للحنابلة أن يصوّروا أحمدا وحيدا في المحنة، ليتدرّجوا في غلوّهم، متناسين أن الأمر صنعته أهواء الحكام و أغراض السياسة.
[١] المنتظم ٥/ ٥٧.
[٢] طبقات الحنابلة ١/ ٢٣٣.