الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٨٦ - أحمد بن حنبل ١٦٤- ٢٤١ ه
بذلك، ثم قال لأحمد: أسألك عن القرآن مسألة مسترشد لا مسألة امتحان، و ليكن ذلك عندك مستورا، ما تقول في القرآن؟ قال أحمد: القرآن كلام اللّه غير مخلوق.
قال إسحاق: من أين قلت: غير مخلوق؟
فأجاب أحمد: إن اللّه عز و جل يقول: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ ففرّق بين الخلق و الأمر.
فقال: الأمر مخلوق؟
فقال أحمد: يا سبحان اللّه، أ مخلوق يخلق مخلوقا؟! قال إسحاق: و عمن تحكي أنه غير مخلوق؟
قال أحمد: جعفر بن محمد الصادق قال: ليس بخالق و لا مخلوق. فسكت إسحاق [١].
و هذا يدلنا على شدة التكتّم في المسألة، و عدم الخوض في شيء من ذلك، لأنه يؤدي إلى مخالفة رأي السلطة. و هذا الرجل أي إسحاق هو من رجال الدولة يسأل مسترشدا أو يطلب ستر ذلك، لأن إظهاره يجرّه إلى نكال المؤاخذة.
و مهما يكن من أمر، فقد سكت إسحاق مقتنعا بظاهر القول و دلالة اللفظ.
و الغرض أن المسألة هي من المسائل العلميّة الهامة، و هي على جانب كبير من الخطر، فلم يكن هناك مجال لعرض الآراء و استماع الحجج و إقامة البرهان من كلا الطرفين، و بهذا أصبح الأمر فوضى، فقد استساغ المعتزلة حمل خصومهم على الاعتقاد بالقوة، و لهذا باءت سياستهم بالخيبة و الخذلان، و انتصرت عليهم قوى العامة التي آثرت التمسك بالسنن و الآثار، و ترك الخوض في علم الكلام، و تحكيم العقل.
و قامت هناك عاطفة دينية تدعوا إلى صيانة كتاب اللّه عن الطعن فيه، أو عدم نزوله.
كما حرّفوا مدلول المسألة.
و في مواجهة المشكلة، كان أحمد يرى أن الخوض في قضية خلق القرآن لم تكن مطروقة و ليست من السنة، حتى أنه كان يطالب مناظريه بشيء من السنة فيما
[١] ابن الجوزي، مناقب أحمد ص ٣٥٩.