الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٧٠ - أبو يوسف
و قد روي عن مالك (رحمه اللّه) أنه قال في أبي حنيفة نحو ما ذكره سفيان: إنه شرّ مولود ولد في الإسلام، و أنه لو خرج على هذه الأمة بالسيف كان أهون. و روي عنه أنه سئل عن قول عمر بن الخطاب: بالعراق الداء العضال؟ فقال مالك: أبو حنيفة. و روى ذلك كله أهل الحديث.
و عن وكيع بن الجرّاح أنه قال: وجدت أبا حنيفة خالف مائتي حديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم). و قيل لابن المبارك: كان الناس يقولون إنك تذهب إلى قول أبي حنيفة؟ قال: ليس كل ما يقول الناس يصيبون فيه، كنّا نأتيه زمانا و نحن لا نعرفه، فلما عرفناه تركناه [١].
و لقد جمع ابن عبد البر بعضا من أقوال المادحين و الطاعنين أخذنا منها ما تقدم و سواها كثير بإمكان القارئ الرجوع إليها في الانتقاء، في مظانّها الأخرى كالخطيب البغدادي الذي طعن علماء الحنفية فيما أورده، و نسبوه إلى التعصب الأعمى، و أجابوا عما ذكره، و ألفوا في (تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب). على أن أعظم الأقوال تأثيرا ما ضمّته مصنّفات أصحاب الصحاح و السنن و التي تتخذ مستمسكا و أصلا يعملان في النفوس و الأذهان، فكان ما ذكره النسائي عن أبي حنيفة من أكبر ما يرفع في الحملة ضد أبي حنيفة حيث قال: و قال لنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب: و أبو حنيفة ليس بالقوي في الحديث، و هو كثير الغلط و الخطأ على قلة روايته. ثم يصنّف أصحابه إلى ضعفاء و ثقات [٢] فتضم هذه الأقوال إلى بعضها، و تكون مادة للطاعنين.
و صفوة القول، أن دراسة حياة أئمة المذاهب تقتضي التوقف كثيرا عن ركامات ما أنتجته العاطفة و ما أفرزه التعصب، و كما أسلفنا فليس من سبل الحق و طرق الأمانة الاعتماد على ذلك، إذ لا يجني أحد إلا أمورا لا تمتّ إلى الحقيقة، و لا صلة لها بالواقع. و هي تسيء أكثر مما تنفع، و تضعّف أكثر مما تعضد، و الطرفان في غنى عن ذلك لو أخلصوا في المأخذ، و اتخذوا من خصائص الرجال و مكانات أئمة المذاهب مادة لا يتعدّوها إلى نزغات التعصب أو التحامل الفظّ. فمن محب مغال يفتح أبواب
[١] الانتقاء لابن عبد البر ص ١٥١. و الخيرات الحسان ص ٧٦.
[٢] كتاب الضعفاء و المتروكين ص ١٢٤.