الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٦٦ - أبو يوسف
و رويت هذه الحادثة بإضافات أخرى و تفاصيل تولّد في النفس أحاسيس نكفّ عن التعليق عليها، و ندع الأمر على ما يوحيه، و نتركه على ما تصوّره الأحداث.
و لكن لا بد من الإشارة إلى أن عصور الانحطاط و التردّي التي وقعت بها الأمة على أيدي الحكام و الجبابرة، كانت نتيجة معلومة سلفا لمقدمات لا تقتصر على مبادئ حكم العباسيين، بل تتعدّاها لتستغرق عودة الجاهلية الأولى في حكم معاوية بن أبي سفيان.
و لهذا قلنا إن أبا حنيفة كان يستغفر اللّه من تركه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و تلك من أهم أوجه الاختلاف بين أبي حنيفة و تلامذته المقرّبين. و من أظهر الصفات التي اكتسبها من هدي آل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على أن ذلك لم يمنع من أن تشمله النظرة التي ينظر بها إلى أصحابه، فعدّ أبو حنيفة إلى جانب أصحابه ممن اتصلوا بخدمة هارون الرشيد، و قوّوا مذهبهم، و حصل لهم العلم و السلطنة [١].
و لا بد هنا من التعرّض إلى موقف الأنصار و الخصوم، و استعراض الأقوال فيه و آراء الناس حوله، لنقف على ركام من الأخبار المختلفة و الآراء المتناقضة، فهناك تعصّب و غلوّ في شخصيته، و إعجاب مفرط في مواهبه. و هناك نقد مرّ لأعماله، و تحامل شديد عليه، و وصف بما لا يليق بشخصية رئيس مذهب و إمام طائفة.
فطائفة محبّيه و مريديه قد رفعوه إلى منازل النبيين، و زعموا أن التوراة بشّرت باسمه، فذكر اسمه إلى اسم اليهوديين: وهب بن منبّه و كعب الأحبار. و أنه وجد في بعض الكتب المنزلة صفة ثلاثة رجال من أمة محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يفوقون أهل زمانهم فقها و علما [٢].
و أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أخبر به قبل ولادته، فروى مشايخهم بسندهم عن أبي هريرة أن رسول اللّه قال: يكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي يوم القيامة [٣].
و عن أبي هريرة أيضا: يكون في أمتي رجل اسمه النعمان، و كنيته أبو حنيفة هو سراج
[١] مناقب الشافعي للرازي ص ١٣٩.
[٢] مناقب الموفق.
[٣] جامع مسانيد الإمام الأعظم ج ١ ص ١٤١.