الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٦٥ - أبو يوسف
فقال: خذها يا أمير المؤمنين بارك اللّه لك فيها. قال: يا يعقوب بقيت واحدة. قلت:
و ما هي؟ قال هي مملوكة و لا بد أن تستبرأ، و و اللّه إن لم أبق معها ليلتي إني أظن أن نفسي ستخرج. قلت: يا أمير المؤمنين تعتقها و تتزوجها، فإن الحرة لا تستبرأ. قال:
فإني قد أعتقتها، فمن يزوجنيها؟ قلت: أنا. فدعا بمسرور و حسين، فخطبت و حمدت اللّه، ثم زوجته على عشرين ألف دينار. و دعا بالمال فدفعه إليها ثم قال لي: يا يعقوب انصرف. و رفع رأسه إلى مسرور فقال: يا مسرور. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال:
أحمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم و عشرين تختا ثيابا فحمل معي).
و كان الرشيد يقول لأبي يوسف في الأحوال التي تتطلب مخرجا: اذهب فاحتل [١].
و يقول الغزالي في وصف هذا المنحى بأنه من فتنة الدنيا، في مساق قوله أن الفقيه في الزكاة ينظر إلى ما يقطع به مطالبة السلطان، حتى إذا امتنع عن أدائها، فأخذها السلطان قهرا؛ حكم بأنه برئت ذمته. و حكي أن أبا يوسف القاضي كان يهب ماله لزوجته آخر الحول، و يستوهب مالها إسقاطا للزكاة. فحكي ذلك لأبي حنيفة (رحمه اللّه) فقال: ذلك من فقهه. و يعقّب الغزالي: صدق، فإن ذلك من فقه الدنيا، و لكن مضرّته في الآخرة أعظم من كل جناية. و مثل هذا هو العلم الضار [٢].
و لا نظن أن حكم الغزالي متعلّق بهذه الحادثة فحسب، لأنها حادثة تهون أمام بقية الأحداث، و إذا كان الغزالي على غير علم ببقية الحوادث و قال هذا القول، فما الظن به عندئذ؟
و بين حريم القصور العباسية كان أبو يوسف يتمتع بمكانة ما هي إلا امتداد لموقعه عند الرشيد، يذكر الخطيب أن أم جعفر كتبت إلى أبي يوسف: ما ترى في كذا، و أحب الأشياء إليّ أن يكون فيه كذا؟ فأفتاها بما أحبّت. فبعثت إليه بحقّ فضة فيه حقاق فضة مطبقات في كل واحدة لون من الطيب، و في جام دراهم وسطها جام فيه دنانير. فقال له جليس له: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من أهديت له هدية فجلساؤه شركاؤه فيها» فقال أبو يوسف: ذاك حين كانت هدايا الناس التمر و اللبن.
[١] تاريخ الخطيب ج ١٤ ص ٢٥٤.
[٢] إحياء علوم الدين ج ١ ص ٣٢.