الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٦٤ - أبو يوسف
للشيعة بأمور هم منها براء. فشبّ في ظل مذهب أبي يوسف أناس تابعوه على الارتباط بمثل هؤلاء الخلفاء و إرضائهم.
و مع كل ما هم فيه من نفوذ و جاه، فإنهم لم يأمنوا غدر الخلفاء، و يبقون كبقية الرعية معرّضين لنزول الأذى بهم، فحتى أبو يوسف نفسه يصبّ الماء و يتخبّط توقعا لكل مكروه عند ما دعاه الرشيد في إحدى الليالي [١]. و لننظر ما ذا كان يريد الرشيد من أبي يوسف عند ما جاءه هرثمة بن أعين و على لسان أبي يوسف: (فقلت: تأذن لي أصبّ عليّ ماء و أتحنّط، فإن كان أمر من الأمور كنت قد أحكمت شأني، و إن رزق اللّه العافية فلن يضرّ. فأذن لي، فدخلت فلبست ثيابا جددا، و تطيّبت بما أمكن من الطيب، ثم خرجنا فمضينا حتى أتينا دار أمير المؤمنين الرشيد، فإذا مسرور واقف، فقال له هرثمة: قد جئت به؟ فقلت لمسرور: يا أبا هاشم خدمتي و حرمتي و ميلي، و هذا وقت ضيق، فتدري لم يطلبني أمير المؤمنين؟ قال: لا. قلت: فمن عنده؟ قال عيسى بن جعفر. قلت: و من؟ قال: ما عنده ثالث. قال: مرّ، و إذا صرت إلى الصحن فإنه في الرواق و هو ذاك جالس، فحرّك رجلك بالأرض، فإنه سيسألك، فقل: أنا. فجئت ففعلت، فقال من هذا؟ قلت: يعقوب. قال: أدخل. فدخلت، فإذا هو جالس و عن يمينه عيسى بن جعفر، فسلّمت فردّ عليّ السلام، و قال: أظننا روّعناك. قلت: إي و اللّه و كذلك من خلفي. قال: أجلس. فجلست حتى سكن روعي، ثم التفت إليّ فقال: يا يعقوب، تدري لم دعوتك؟ قلت: لا. قال: دعوتك لأشهدك على هذا، إن عنده جارية، سألته أن يهبها لي فامتنع، و سألته أن يبيعها فأبى، و اللّه لئن لم يفعل لأقتلنّه. قال: فالتفتّ إلى عيسى، و قلت: و ما بلغ اللّه بجارية تمنعها أمير المؤمنين، و تنزل نفسك هذه المنزلة؟ قال فقال لي: عجلت عليّ في القول قبل أن تعرف ما عندي؟ قلت: و ما في هذا من الجواب؟ قال: إن عليّ يمينا بالطلاق و العتاق و صدقة ما أملك أن لا أبيع هذه الجارية و لا أهلها. فالتفت إليّ الرشيد فقال: هل له من ذلك مخرج؟ قلت: نعم! قال: و ما هو؟ قلت يهب لك نصفها، و يبيعك نصفها، فتكون لم تبع و لم تهب. قال عيسى: و يجوز ذلك؟ قلت: نعم! قال فأشهد أني قد وهبت له نصفها و بعته النصف الباقي بمائة ألف دينار. فقال: الجارية. فأتي بالجارية و بالمال،
[١] تاريخ الخطيب ج ١٤ ص ٢٥٠. و وفيات الأعيان ج ٥ ص ٢٤٧.