الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١١٣ - الأمر الثاني الزهد
لم تكن فيه ففي الصمت، فإن لم تكن فيه ففي كلام السلف الصالح، و السعيد من وجد في نفسه خلوة [١].
و هذا من النصوص التي لعب الخيال في إيجادها، و كانت نتيجة الغرض الذي.
انطوت عليه نفوس قائليها، فجعلوا من أصل الفكرة في توخّي السلامة وسط مجمع مائج بالأهوال و المحن و الابتلاءات، و مقتضيات الإمام و مسئولياته تجاه ربه و دينه منوالا لأفكارهم، و تنادي ألفاظ القول على بعدها عن البناء اللغوي و التوجه الوعظي الذي تمتاز به أقوال الإمام الصادق (عليه السلام). و المقارنة بالأصل تظهر الفارق، فقد قال (عليه السلام) في السلامة: «أطلب السلامة أينما كنت، و في أي حال كنت لدينك و لقلبك و عواقب أمورك في اللّه، فليس من طلبها وجدها ... و السلامة قد عزّت في الخلق و في كل عصر، خاصة هذا الزمان و سبيل وجودها في احتمال جفاة الخلق و أذيتهم، و الصبر عن الرزايا و حقيقة الموت، و الفرار من أشياء تلزمك رعايتها، و القناعة بالأقل من الميسور، فإن لم يكن؛ فالعزيمة، فإن لم تقدر فالصمت، و ليس كالعزيمة، فإن لم تستطع فالكلام ينفعك و لا يضرّك، و ليس كالصمت، فإن لم تجد السبيل إليه فالانقلاب و السفر من بلد إلى بلد، و طرح النفس في بواري التلف بسرّ صادق و قلب خاشع و بدن صابر، قال اللّه عز و جل: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها.
و انتهز مقسم عباد اللّه الصالحين، و لا تتنافس الأشكال، و لا تدّع في شيء و إن أحاط به علمك و تحققت به معرفتك، و لا تكشف به سرّك إلّا على أشرف منك في الدين، و أنى تجد المشرف، فإذا فعلت ذلك أصبت السلامة».
و من أقواله (عليه السلام):
«ثلاثة أشياء لا ينبغي للعاقل أن ينساهنّ على كل حال: فناء الدنيا، و تصرّف الأحوال، و الآفات التي لا أمان لها» [٢].
فهل كانت مثل هذه الأقوال دافعا لأصحابه على اعتزال الدنيا و ترك مهمات الحياة، أم أن الرجل منهم كان يدعو أهل زمانه و يتصدّى لنشر تعاليم دينه و هو محمّل
[١] الكواكب الدرية ١/ ٩٥ و صفة الصفوت.
[٢] تحف العقول.