الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١١٢ - الأمر الثاني الزهد
مرّت بها الأمة و روّع بها الناس، لا تؤدي في مثل تلك الظروف التي يعيشها إلّا إلى الهلاك على يد الحكام، لذلك سلك مع العباسيين مسلكا يجنّب أهل بيته و شيعته مخاطر سلطانهم.
فلمّا اتخذ رأيه في عدم لبس السواد ذريعة من قبل الأعداء، أتقاهم بما يزيل التهمة و يحفظ حياته، فأخذ يلبس جبة سوداء. و روي أنه كان يلبس خفا أسودا مبطنا بسواد و فتق مرة ناحية منه و قال: «أما إن قطنه أسود» و أخرج منه قطن أسود، ثم قال (عليه السلام): «بيّض قلبك و ألبس ما شئت» [١].
أما إذا أضفنا الأقوال الأخرى للإمام الصادق، فإن الصوفية لا يكتفون بالتأسيس عليها أحوالا لهم و مقامات، بل إن ما نراه من أحداث طبيعية تحفل بها سيرة الأئمة الطاهرين من أهل البيت. يرون فيها كرامات لتعزيز أقوالهم بأصحابهم، و ادّعاء الأعمال الجليلة لهم.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «من أدخل قلبه صافي حب اللّه شغله عمّا سواه» [٢].
و هو قول من مصادر الصوفية لا يخرج عن مضامين مدرسة الإمام الصادق أو أقواله، إلا أن ما يجعلونه أساسا للمقامات و الأحوال عندهم، و ما يصرفون إليه كلام الإمام (عليه السلام) يسيء كثيرا إلى الموقف الديني و الفكري الذي اقتضته مصلحة الأمة، و الذي اختطّه الإمام الصادق، و أطلقنا عليه «الدعوة الصامتة» و يظهر أن الصوفية تنسج على نزعتها و تحيك على هواها المقاصد و المعاني، لأن واقع الإمام الصادق و حركته الدائبة و نشاطه المعطاء، يفنّد الغرض الذي يختفي وراء القول بالتخلي أو الخمول. إذ لا يهدأ بحال في أذهان الشيعة قول الإمام الصادق: «كونوا لنا دعاة صامتين» و اقتران الدعوة بالصمت يشير إلى منهج الصادق في الابتعاد عن مواجهة الحكام بما يحمي دماء الناس و أعراضهم و وجودهم، فيما أوّلوا بعض أقواله (عليه السلام) تأويلات اعتبروها أساسا لأوضاع قادتهم و هو: «عزّت السلامة حتى لقد خفي مطلبها، فإن تك في شيء فيوشك أن تكون في الخمول، فإن لم توجد فيه ففي التخلي، و ليس كالخمول، فإن
[١] علل الشرائع للشيخ الصدوق.
[٢] الكواكب الدرية.