الأنوار الحيرية و الأقمار البدرية الأحمدية - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ١١٨ - الثالثة في نجاسة العصير العنبي
و ثالثها: انّ المستفاد من الأخبار على وجه لا يداخله الإنكار عند من وقف عليها و تأمّلها بعين الفكر و الاعتبار انّ التمر لا يحرم بمجرّد الغليان و إن اشتدّ و إنّما تحريمه دائر مدار الإسكار فيه و من ذلك حديث الوفد المروي في الكافي عن محمّد بن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: قدم على رسول الله (صلى الله عليه و آله) قوم من اليمن فسألوه عن معالم دينهم فأجابهم فخرج القوم بأجمعهم فلمّا ساروا مرحلة قال بعضهم لبعض أنسينا أن نسأل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن ما هو أهمّ إلينا ثمّ نزل القوم ثمّ بعثوا وفداً لهم فأتى الوفد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالوا: يا رسول الله انّ القوم قد بعثونا إليك يسألونك عن النبيذ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): و ما النبيذ فصفوه لي؟ فقال: يؤخذ من التمر فينبذ في إناء ثمّ يصبّ عليها الماء حتّى يمتلئ و يوقد تحته حتى ينطبخ فإذا انطبخ أخذوه و ألقوه في إناء آخر ثمّ صبّوا عليه ماء ثمّ يمرس ثمّ صفّوه بثوب ثمّ يلقى في إناء ثمّ يصب عليه من عكر ما كان قبله ثمّ يهدر و يغلى ثمّ يسكن عن عكرة فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا هذا قد أكثرت أ فيسكر؟ قال: نعم، قال: فكلّ مسكر حرام.
قال: فخرج الوفد حتّى انتهوا إلى أصحابهم فأخبروهم بما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال القوم: ارجعوا بنا إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) حتّى نسأل عنها شفاهاً و لا يكون بيننا و بينه سفير فرجع القوم جميعاً، فقالوا: يا رسول الله انّ أرضنا أرض دوية و نحن قوم بعمل الزرع و لا نقوى على العمل إلّا بالنبيذ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله): صِفوه، فوصفوه كما وصف أصحابهم فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أ فيسكر؟ فقالوا: نعم، فقال: كلّ مسكر حرام.
و التقريب فيه على وجه يظهر لكلّ ناظر انّه تضمن انّهم يطبخون التمر أوّلًا فإذا انطبخ القوة في إناء آخر إلى آخر ما ذكر في الخبر و ظاهره انّ السكر انّما يحصل بالطبخ الثاني و هو الذي يجعل فيه العكر و هو من الخمر الأوّل كأنّه بمنزلة الخمير الذي يوضع في عجين الخبز فيسرع به إلى أن يخبز و بهذا الطبخ الأخير صار مسكراً و لو كان الطبخ الأوّل موجباً للتحريم كما يدّعيه الخصم لذكره (صلى الله عليه و آله) و لم يخص التحريم بالإسكار الحاصل بالطبخ الثاني.
وفي الخبر كغيره من الأخبار الكثيرة دلالة على تسمية ما يؤخذ من التمر بالنبيذ كما قدّمنا ذكره لا بالعصير كما ادّعاه من ليس بالأخبار بصير و لا خبير.
و أمّا الأخبار الدالّة على دوران التحريم مدار الإسكار سواء كان بالغلي أو بالنقع و المكث فكثيرة جدّاً لا يأتي المقام عليها و قد استوفيناها في