الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٨ - المسألة الرابعة في جواز تأخير البيان
أما أولا فلانه لو كان البيان حاصلا ، لفهموه ظاهرا ، ولما سألوا عنه وأما ثانيا فلان الامر بالذبح كان مطلقا ، والامر المطلق على التراخي عند صاحب هذه الحجة على ما سبق تقريره . ولو كان على الفور فتأخير بيانه عنه أيضا غير ممتنع على أصله ، لكونه قائلا بجواز التكليف بما لا يطاق ، كما سبق تحقيقه .
الحجة الخامسة : أنه لما نزل قوله تعالى : * ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ، أنتم لها واردون ) * ( ٢١ ) الأنبياء : ٩٨ ) قال عبد الله بن الزبعرى فقد عبد ت الملائكة والمسيح أفتراهم يعذبون والنبي ( ص ) ، لم ينكر عليه ، بل سكت إلى حين ما نزل عليه بيان ذلك بعد حين ، وهو قوله : * ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) * ( الأنبياء : ١٠١ ) ( ١ ) وذلك يدل على جواز التأخير .
ولقائل أن يقول : لا نسلم أن الآية لم تكن بينة حتى أنها تحتاج إلى بيان ، فإن الملائكة والمسيح إنما يمكن القول بدخولهم في عموم الآية ، إذ لو كانت ( ما ) تتناول من يعلم ويعقل ، وهو غير مسلم ، وإذا لم تكن متناولة لهم ، فلا حاجة إلى إخراج ما لا دخول له في الآية عنها .
فإن قيل : دليل تناول ( ما ) لمن يعلم ويعقل النص والاطلاق والمعنى .
أما النص فقوله تعالى : * ( وما خلق الذكر والأنثى ) * ( ٩٢ ) الليل : ٣ ) ، وقوله تعالى : * ( والسماء وما بناها ) * ( ٩١ ) الشمس : ٥ ) وقوله تعالى : * ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) * ( ١٠٩ ) الكافرون : ٣ ) وأما الاطلاق فمن وجهين :
الأول أن ( ما ) قد تطلق بمعنى ( الذي ) باتفاق أهل اللغة ، و ( الذي ) يصح إطلاقها على من يعقل بدليل قولهم : الذي جاء زيد فما كذلك .
الثاني أنه يصح أن يقال : ما في داري من العبيد أحرار .
وأما المعنى فمن وجهين :
الأول هو أن ابن الزبعرى كان من فصحاء العرب ، وقد فهم تناول ( ما ) لمن يعقل ، والنبي ( ص ) ، لم ينكر عليه ذلك .