الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٧ - المسألة الرابعة في جواز تأخير البيان
قلنا : ظاهر الامر يدل على التنكير ، حيث قال : * ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) * ( ٢ ) البقرة : ٦٧ ) . والقول بالتعيين مخالف للتنكير المفهوم من اللفظ ، وليس الحمل على التعيين ضرورة تصحيح سؤالهم ومخالفة ظاهر النص أولى من العكس ، بل موافقة ظاهر لنص أولى .
قولكم في الوجه الثاني إن الضمير في جميع الكنايات عائد إلى المأمور به أولا ، لا نسلم ذلك .
قولهم لو لم يكن كذلك ، لكان ذلك تكليفا بأمور مجددة مسلم ، وما المانع منه ؟
قولكم : لو كان كذلك ، لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا دون ما ذكر أولا ، لا نسلم ذلك . وما المانع أن يكون قد أوجب عليهم بعد السؤال الأول ذبح بقرة متصفة بالصفات المذكورة أولا ، ثم أوجب بعد ذلك اعتبار الصفات المذكورة ثانيا ، ولا منافاة بين الحالتين .
قولكم : لو كان كذلك ، لما كان الجواب مطابقا للسؤال ، وهو خلاف الأصل فهو معارض بما روي عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أنه قال : لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأتهم ، لكنهم شددوا على أنفسهم ، فشدد الله عليهم ( ١ ) .
وهذا يدل على أن ذلك كان ابتداء إيجاب لا بيانا ، لان البيان ليس بتشديد بل تعيين ما هو الواجب . ولا يخفى أن موافقة ظاهر النص الدال على تنكير البقرة وظاهر قول ابن عباس أولى من موافقة ما ذكروه من لزوم مطابقة الجواب للسؤال ، لما فيه من موافقة الأصلين ، ومخالفة أصل واحد ، وما ذكروه بالعكس .
ثم وإن سلمنا أن المأمور به كان بقرة معينة في نفس الامر ، غير أنهم سألوا البيان الاجمالي أو التفصيلي ؟
الأول ممنوع ، والثاني مسلم . ولا يلزم من جواز تأخير البيان التفصيلي ، تأخير البيان الاجمالي ، كما هو مذهب أبي الحسين البصري . وليس تقييد سؤالهم بطلب البيان مع إطلاقه ، بالاجمالي ، أولى من التفصيلي ، ولا محيص عنه . وربما أورد على هذا الاحتجاج ما لا اتجاه له ، كقولهم : ما المانع أن يكون البيان مقارنا للمبين غير أنهم لم يتبينوا أن الامر بالذبح كان ناجزا ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع .
١ - انظر تعليق ابن جرير في تفسيره على الأثر وما روى بمعناه .