الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٢١ - المسألة الأولى في اثبات النسخ على منكريه
قولهم في الوجه الأول إنه يلزم منه جهل المكلف باعتقاد التأبيد .
فقد أجاب عنه أبو الحسين البصري بأنه إنما يفضي إلى ذلك إن لو لم يكن قد اقترن بالخطاب المنسوخ ما يشعر بنسخه ، وليس كذلك .
وقد بينا إبطال ما ذهب إليه في تأخير البيان إلى وقت الحاجة ( ١ ) .
والوجه في الجواب أن نقول : دلالة الخطاب على التأبيد لا يلزمها التأبيد مع القول بجواز النسخ ، فإذا اعتقد المكلف التأبيد فالجهل إنما جاءه من قبل نفسه ، لا من قبل ما اقتضاه الخطاب ، بل الواجب أن يعتقد التأبيد بشرط عدم الناسخ ثم ، وان أفضى ذلك إلى الجهل في حق العبد ، فالقول بقبح ذلك من الله تعالى مبني على التحسين والتقبيح العقلي ، وقد أبطلناه فيما تقدم ( ٢ ) .
ثم متى يكون ذلك قبيحا إذا استلزم مصلحة تربو على مفسدة جهله ، أو إذا لم يكن كذلك ، الأول ممنوع ، والثاني مسلم .
وبيان لزوم المصلحة الزائدة هنا ما فيه من زيادة الثواب باعتقاده دوام ما أمر به والعزم على فعله والانقياد لقضاء الله وحكمه في الأمر والنهي .
كيف وإن ما ذكروه منتقض بما يحدثه الله تعالى للعبد من الغنى والصحة ، فإن ذلك مما يوجب اعتقاد دوامه له مع جواز إزالته بالفقر والمرض . قولهم في الوجه الثاني إنه يفضي إلى تعجيز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد ، ليس كذلك ، لجواز أن يخلق لنا العلم الضروري بذلك .
وما ذكروه في الوجه الثالث فمندفع ، فإنه إن كان اللفظ الوارد في الخطاب مما لا يحتمل التأويل ، فالوثوق به حاصل لا محالة ، وإن كان مما يحتمل التأويل ، فيجب أن يكون الوثوق به على حسب ما اقتضاه الظاهر لا قطعا وذلك غير مستحيل .
وما ذكروه في الوجه الرابع فغير صحيح ، فإنا لا نمنع من جواز نسخ شرعنا
١ - انظر رأي أبي الحسين البصري والرد عليه في المسألة الرابعة من مسائل البيان والمبين . ٢ - تقدم أيضا ما فيه تعليقا على المسألة الأولى من الأصل الأول في الحاكم .