الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٥ - المسألة الرابعة في جواز تأخير البيان
فإن قيل : لا يمكن ذلك ، لان لفظ البيان مطلق ( ١ ) فحمله على البيان التفصيلي يكون تقييدا له ، وتقييد المطلق من غير دليل ممتنع .
قلنا : وإذا كان مطلقا ، فالمطلق لا يمكن حمله على جميع صوره ، وإلا كان عاما لا مطلقا ، بل غايته أنه إذا عمل به في صورة ، فقد وفى بالعمل بدلالته .
وعند ذلك ، فلا يخفى أن تنزيل البيان في الآية على الاجمالي دون التفصيلي يكون تقييدا للمطلق ، وهو ممتنع من غير دليل . وإن لم يقل بتنزيله عليه ، فلا حجة فيه .
وإن سلمنا أن المراد به البيان الاجمالي والتفصيلي ، غير أنه قد تعذر العمل بظاهر ( ثم ) من حيث إنها تدل على وجوب تأخير بيان كل القرآن ضرورة عود الضمير إلى الكل ( ٢ ) على ما سبق . وذلك خلاف الاجماع . وإذا تعذر العمل بظاهرها وجب العمل بها في مجازها ، وهو حملها على معنى ( الواو ) كما في قوله تعالى : * ( فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ) * ( ١٠ ) يونس : ٤٦ ) فإن * ( ثم ) * ها هنا بمعنى ( الواو ) ولاستحالة كون الرب شاهدا ، بعد أن لم يكن شاهدا .
الحجة الثانية : قوله تعالى : * ( الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ) * ( ١١ ) هود : ١ ) و ( ثم ) للتأخير ولقائل أن يقول : لا نسلم أن المراد من التفصيل بيان المراد من المجمل والظاهر والمستعمل في غير ما هو ظاهر فيه ، بل المراد من قوله : أحكمت أي في اللوح المحفوظ وفصلت في الانزال .
الحجة الثالثة : قوله تعالى : * ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) * ( ٢٠ ) طه : ١١٤ ) وأراد به بيانه للناس .
١ - تقدم لفظ البيان في الآية عام لا مطلق ، لأنه اسم حنس مضاف ، وعليه فلا يصح ما ذكره الآمدي في الجواب لبنائه على لفظ البيان في الآية مطلق . ٢ - القرآن نزل منجما وكلما نزل منه نجم بينه الله بعد نزوله انجازا لوعده وهذا ما دلت عليه ثم من الترتيب . ولم تدل على وجوب تأخير بيان كل القرآن حتى يتم نزوله ، وبذلك يتعذر حملها على ظاهرها كما قال الآمدي .