الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٠٣
وأما تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النص على كونه علة ، من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الأوصاف ، كل واحد بطريقة ( ١ ) ، كما علم فيما تقدم ، مما ذكرناه من التعليل بالوقاع في قصة الأعرابي ، فإنه وإن كان مومى إليه بالنص ، غير أنه يفتقر في معرفته عينا إلى حذف كل ما اقترن به من الأوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي والاجتهاد ، وذلك بأن يبين أن كونه أعرابيا ، وكونه شخصا معينا ، وأن كون ذلك الزمان وذلك الشهر بخصوصه ، وذلك اليوم بعينه ، وكون الموطوءة زوجة وامرأة معينة ، لا مدخل له في التأثير ، بما يساعد من الأدلة في ذلك حتى يتعدى إلى كل من وطئ في نهار رمضان عامدا ، وهو مكلف صائم . وهذا النوع ، وإن أقر به أكثر منكري القياس ، فهو دون الأول . وأما تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد في إثبات علة الحكم الذي دل النص أو الاجماع عليه دون عليته .
وذلك كالاجتهاد في إثبات كون الشدة المطربة علة لتحريم شرب الخمر ، وكون القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص في المحدد ( ٢ ) ، وكون الطعم علة ربا الفضل في البر ونحوه ، حتى يقاس عليه كل ما ساواه في علته ، وهذا في الرتبة دون النوعين الأولين ، ولذلك أنكره أهل الظاهر والشيعة وطائفة من المعتزلة البغداديين .
تم الجزء الثالث - ويليه الجزء الرابع - وأوله .
الباب الثالث في أقسام القياس - وأنواعه .
أعان الله على اتمامه بمنه وكرمه .
١ - بطريقة - الصواب بطريقه الهاء ، فإنه ليس بلازم ان يكون الغاء كل وصف بطريقة خاصة ، بل قد تجتمع أوصاف في الحذف بطريق واحد من الطرق التي سبق ذكرها في السبر والتقسيم . ٢ - تحريم الخمر منصوص العلة كما تقدم وكذا وجوب القصاص لقوله تعالى ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) وللأحاديث الكثيرة في ذلك ولكن بطريق الايماء .